ليس سوى مُعجزة قادرة على إنقاذ لبنان من مسيرة الانهيار والسقوط في الفوضى والتلاشي كـ«كيان»، واذ نحن في زمن لا معجزات فيه سوى أقدار عبثية أخضعتنا لتجبُّر وعنصرية وكراهية الحلف الصهيواميركي, الذي وصل ذروة إجرامه في حقبة ترمب السوداوية، المتكئة على سادية وغطرسة واستخدام مفرط للترسانة العسكرية المَهولة, وسلاح العقوبات والوصم بالإرهاب لدول واحزاب وشخصيات وكيانات، حتى باتا أشد وطأة واكثر قوة، من استخدام آلة القتل التي يتوافّر عليها تحالف امبراطورية الشر الأميركية مع الفاشية الصهيونية في فلسطين المُحتلة.

ما يعني ضمن أمور اخرى، أن الطبقة السياسية والحزبية وملوك الطوائف وامراء الحرب وصلوا جميعاً إلى الحائط، ولم يعد بمقدورهم مواصلة بث الخطاب المُزور والمثقل بالأكاذيب للجمهور اللبناني، بعد وصول الشعب بمختلف طوائفه وشرائحه الاجتماعية إلى رزمة أزمات غير مسبوقة، وانهيار مُمتد ومُتمدد في مستوى معيشته ونزف موارده وتصاعد نِسب الفقر والبطالة، والافتقار إلى أبسط الخدمات والمرافق العامة، ناهيك عن اهتراء وقِدم البنى التحتية، تستحيل حالها على الإصلاح والترميم.

ولأن «اللعبة» الطائفية والمذهبية، التي استثمرتها طويلاً وكثيراً عائلات وأحزاب طوال سبعة عقود, ووجدت نفسها أمام إفلاس مُعلن وازدراء مُتصاعد من الجمهور اللبناني، الذي اكتشف حجم التواطؤ الذي كان عليه هؤلاء، عندما تعرّضت مصالحهم للخطر، لم يلبثوا أن تضامنوا وعاودوا «تماسُكهُم».. قد سقطت، فإن ما يحدث في لبنان الآن من افتراق بين الشعب والطبقة الحاكمة، ينذر بوصول الأمور إلى حافة الهاوية، ليس فقط في عجز السلطة المُتصدعة على اجتراح حلول للأزمات المالية والنقدية والاقتصادية وخصوصاً الصحية، التي باتت تُهدد مئات الآلاف?من اللبنانيين بالموت عبر تفشي وباء كورونا، وإنما أيضاً إصرار قوى إقليمية ودولية على ترك لبنان لمصيره، بعد أن أسهمت «بحماسة» في إيصاله إلى هذه المرحلة، ولم تكن واشنطن ترمب والدولة الصهيونية في منأى عما حدث ويحدث. إن لجهة ترهيب لبنان وتهديده بالخضوع لإرادة تل أبيب في ترسيم حدوده البحرية وفق ما تريد تحت طائلة العقوبات الأميركية بالطبع, ام لجهة التلويح بالحرب وإعادة لبنان إلى العصر الحجري، في حال واصلَ حزب الله رفع مستوى وعديد صواريخه الدقيقة.

وإذ تتصاعد دعوة «الفدرَلة» التي يقودها اليمين الانعزالي المسيحي، وأخرى تُنادي باللامركزية المُوسعة وثالثة باللامركزية «المالية».. فأن لعبة عض الأصابع بين رئيس الجمهورية وتياره (الوطني الحر) ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، المدعوم من دول إقليمية والمُتلطّي خلف المبادرة الفرنسية (التي ماتت منذ انطلاقتها)، ينبئ بأن المواجهة «الأخيرة» قد اقتربت، خاصة بعد تسريب الفيديو الذي يتهِم فيه الجنرال عون الحريري بـ«الكذب»، مُوحياً أن «لا تأليف» لحكومة جديدة في الأفق.

في الخلاصة... صيغة العام 1943 المُسماة «الميثاق الوطني» لم تعد قابلة للاستمرار، واتفاق الطائف 1989 لم يعد يتوافَق والمتغيرات العميقة التي عصفت بلبنان والمنطقة بل والعالم، ولهذا فإن ترنّح لبنان الراهن قد يُفضي به إلى السقوط والتلاشي... رغم كل ما يقال عن «طائر الفينيق».

kharroub@jpf.com.jo