أبواب - زياد عساف 

"وجع البطن ولا كَبْ الطبيخ"، وصفة بلدية قديمة تتعارض مع أبسط قواعد التغذية والصحة العامة كثيراً ما رددها على مسامعنا الأستاذ جاد الله مدرس مادة الأحياء في المرحلة الثانوية معبراً بخفة دمه المعهودة عن عشقه الأزلي للطعام، يؤيده في ذلك الكاتب برنارد شو في مقولة مدونة له في بطون الكتب: (لا يوجد حب مخلص أكثر من حب الطعام).

والغريب أن يصدر هذا الرأي عن ناقد في مجال الموسيقى بالأساس والتي هي غذاء الروح قبل الأكل وبشهادة الشاعر والمسرحي العالمي شكسبير: (إذا كانت الموسيقى طعام الحب فأكمل العزف).

تخمة

الغناء العربي توزَّع ما بين هذين الرأيين ومنه استمعنا لأعمال تتغنى بالطعام وكأنه سر سعادة الحياة وبهجتها وعلى طريقة نعيش لنأكل، وأعمال أخرى وظفَّتْ عناصر ومكوِّنات الأكلات الشعبية تحديداً بدلالات تحمل معاني روحية وقيم وطنية وإحياء العلاقات الإنسانية والمشاعر التي تعزز انتماء الفرد للمكان الذي ترعرع به، وهذا بدوره شكَّل حالة خاصة وإضافة نوعية للأغنية العربية قلما نجدها في العديد من بلاد العالم.

ويبقى من ضمن الروابط الخفية التي تجمع مابين الغناء والغذاء أن العديد من المأكولات الشعبية أصبحت متداولة في أكثر من قُطُرْ عربي ولا يمكن تحديد المصدر الأصلي الذي ينسب إليه هذا الصنف أو ذاك، وإنما يبقى التميُّز أن كل بلد قدَّمْ إضافات على بعض الأصناف ما أوجد مذاقاً خاصاً يُنْسَبْ لهذا البلد أو ذاك، أو لمدينة وقرية بعينها، وهذا هو حال الغناء أيضاً فالعديد من الألحان الشهيرة بات من الصعوبة تحديد موطنها الأصلي فيما لو كانت عراقية أو سورية أو مصرية على سبيل المثال، ومع الاحتفاظ باللحن والتغيير في النص بين بلد وا?خر، تبقى الخصوصية هنا في مضمون الكلام وما يعكسه من غذاء فكري وروحي،أو قد يصب في خانة الأعمال الرديئة التي أصبحت لكثرتها تشكِّل حالة من (التخمة الغنائية) وصلت لحد تشويه أذواق الناس والأمثلة كثيرة ومنها على على سبيل المثال أغنية عدوية (نار يا حبيبي نار ..فول بالزيت الحار!).

حكاية أحمد ملوخية

وقبل الخوض في هذه الأعمال لا بد من الإشارة أن مشاهير ونجوم الغناء العربي أمثال أم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش لم يتغنوا بالطعام، وكأنه أشبه بالرفض لهذه الفكرة لدرجة امتناع أغلبهم عن تلحين وغناء أعمال شاعر غنائي موهوب إسمه (أحمد ملوخية) اعتراضاً على كنية العائلة (ملوخية)، وبعضهم طالبه تغيير الإسم باعتباره لا يليق بكاتب وشاعر، وفريد الأطرش واحد ممن اشترطوا عليه ذلك مقابل أن يلحن الأخير من كلماته أغنية للمطربة شهرزاد، إلا أن الشاعر رفض العرض وظل على موقفه وخاطب فريد قبل أن يغادر الجلسة: لماذا لم تغيِّر كني?ك (الأطرش) إذن ! .

سوسو وليلى

كثيرة هي الصور الغنائية التي تحفل بالقيم الإنسانية والتمسك بالإصالة وتجاوز المظاهر الخادعة باستعارة بعض الأصناف من الأطعمة،ولعل أجملها عندما صدح المطرب اللبناني صوت الجبل وديع الصافي بأغنية (الله يرضى عليك يا إبني) وهو ينصح إبنة بالتراجع عن الزواج من سوسو بنت المدينة التي تحتاج لخدّام وريش نعام : (سوسو ما عندا عليك حنِّية ..ومعودة ع الرقص ليلية)، وينصحه بالزواج من ليلى بنت الريف الأصيلة: (ليلى يا إبني ان جارت الإيام ..بتعيش ع الزيتون والجبنة!)، والمطربة الشحرورة صباح تعايشت مع هذه القناعة مؤكدة هذا الموقف ?أغنيتها الشهيرة ع البساطة : (قديش مستحلية عيش ..جنبك يا بو الدراويش ..غديني خبزة وزيتونة ..وتعشيني بطاطا).

المطبخ الغنائي

ومن المطبخ الغنائي اللبناني أيضاً ما يدعو للتشبث بالهوية الثقافية اللبنانية، ويؤكدها هنا مرة أخرى صوت الجبل معتزاً بهويته وجذوره: (الكبة أكلتنا ..والبرغل من حقلتنا ..عمرها من عمر الضيعة..وما بنغيِّرْ عادتنا)، ومن أجواء القرية والضيعة في بلد الأرز تغنت نجاح سلام بأكلة التبُّولة : (ميِّل يا غزيِّلْ ..ميِّلَكْ ميُّولة ..نسقيك فنجان قهوة ..نعملَّكْ تبُّولة)، و(مشغولة وعم بعمل تبولة) لنزهة يونس، ومن فيلم (موال) 1966 قدمت الشحرورة أغنية تدلي من خلالها برأيها في التبولة التي أعدتها فتيات الضيعة .

يزخر التراث الغنائي السوري أيضاً بالأطعمة الشامية مثل (المكدوس)، ففي مشهد من فيلم (كفرون) 1990 إستعاد الصغار هذا الموروث وهم يغنون للسائق :

«يا شفير دوس دوس

الله يبعتلك عروس

مافي متلا بشغل البيت

بتعرف تطبخلك مكدوس»

أكلة المنسف الأردني الشهيرة شاهد على تاريخ الأردن الضارب في جذور التاريخ،وعن ذلك يقول الباحث في التراث الغذائي الأردني خليل الفراية من مدينة الكرك عن تاريخ أكلة المنسف بأنها تعود الى عهد الملك ميشع المؤابي عام 147 قبل الميلاد، ومن الطبيعي أن تنال حظها من الأغاني التراثية الأردنية والتي تتردد في الأعراس ومنها :

«يا علا واطلع المنسف مليان

يا علا رز ولحم وخرفان

والمنسف يدرج ع الطار

منسف أبو فلان صدّر الخطّار

والمنسف يدرج على هونه

منسف أبوفلان خير يذكرونه».

سحلب وهيطلية

التغني بالأكلات الشعبية الفلسطينية كان واحداً من حالات المقاومة والتشبث بالهوية الوطنية بعد أن أخذ الإحتلال ينسب هذا الأكلات لنفسه ولم يكتف بالإستيلاء على الأرض، والأمثلة كثيرة بهذا الصدد، إذ لا زالت (الخبِّيزة) الأكلة المُتَوَّجة ولازالت الفرق الشعبية تغني لها : «سقا الله ع الحاكورة ..وقعدة بفي الجمِّيزة ..مع قلاية بندورة ..وصحن سميد وخبِّيزة «وبأغاني الدلعونة تعود بنا الفنانة دلال أبو اّمنة للأكلات الفلسطينية النابعةمن خيرات أرض كنعان :

«خبزة ملتوتة وجبنة طرية

أكلة تدفينا بهالشتوية

وصحون السحلب والهيطلية

خلتنا ننسى بردك كانونا».

ومن خلال أكلة (المسكوف) العراقي الشهيرة يعبِّر كاظم الساهر من المهجر عن حنينه لموطنه بلد الرشيد: (بحضن دجلة الزوارق هايمة طوف ..ونيران الشواطي وسمك مسكوف ..الله ينتقم منك يالايام ..هلي الطيبين ضاعوا من إيديا) .

العدس الليلة

سيد درويش معجزة القرن العشرين في الغناء وظَّف الأكلات الشعبية الدارجة في مصر والسودان كتعبير عن الوحدة التي تجمع بين البلدين،وجاءت كرسالة تحذير للمستعمر الأوروبي من محاولات التفرقة بينهما وكما تشير كلمات أغنيته الشهيرة (دنجي ..دنجي) :

«الأكل بتاعنا براوة يشهد له البيه والباشا

يوم فاصوليا وبقلاوة ويوم ملوهية (ملوخية) وبوجاشا

يا أوروبا خليكي شاهده ع البولوتيكه الترللي

الراية بتاعنا واحدة لازم يستنى تمللي».

بعض الأكلات الشعبية أصبحت بمرور الوقت بمثابة المعادل الموضوعي لحالة الفقر والحرمان ويعتبر العدس في مقدمة الأصناف التي تعبر عن أحوال الفقراء ولعل أقرب الأمثلة على ذلك أغنية (العدس الليلة)، وجاءت على وزن لحن (القمح الليلة) لعبد الوهاب في أحد مشاهد فيلم (أربع بنات وضابط) 1954، ويشير لفتيات في ملجأ عبرن عن استيائهن من وجبة العدس اليومية التي تقدم لهن، اشترك في الأغنية نعيمة عاكف ولبلبة مع رجاء وعواطف بالإضافة لوداد حمدي ومن كلماتها :

«العدس الليلة ليلة عيده

أصفر ومنيِّلْ على عينه

مش عايز يخلف مواعيده

المعدة حالفه ما تريده

حيكون خرابها على إيده

حتى المدمس بقا سيده».

الفول واللحمة

«الدكتور محسن» وقع في شر أعماله عندما وجه النصيحة لفئة الفقراء من الناس بتناول الفول والإبتعاد عن (اللحمة) باعتبار الأخيرة لها مضار كثيرة، ورد عليه الشيخ إمام ساخراً بهذه الكلمات من أغنية (الفول واللحمة):

«ما رأي جنابك وجنابهم في واحد مجنون بيقول

احنا سيبونا نموت باللحمة وانتوا تعيشوا وتاكلوا الفول

ما رأيك يا كابتن محسن مش بالذمة كلام معقول!».

من فضلك يا ست البيت

المناكفات الزوجية في المطبخ ألهمت مؤلفي الأغاني بكتابة بعض الأعمال الغنائية الفكاهية والساخرة عبر توليف بعض أصناف الطعام لخدمة الفكرة، ومنها أغنية (الراجل ده حيجنني) الخاصة بشهر رمضان المبارك والتي تم تصويرها بواسطة الكاميرا السينمائية، والفكرة من العمل أن حكمة الصيام ليست بكثرة الطعام من خلال دويتو يجمع الزوجة (صباح) مع الزوج (فؤاد المهندس) الذي يعاتبهاعلى تقصيرها بعدم تحضير أصناف عديدة من الوجبات الرمضانية المحببة لديه كما يظهر بهذا المقطع من الأغنية :

«فين اللحمة المشوية والفتة فين والتقلية؟

والسمك البوري اللي انا جايبه

راح فين والشوربة فين هيَّ؟! ».

«من فضلك يا ست البيت» دويتو لمحمد جمال وطروب قدماه في الستينيات يتضمن مناكفة غنائية أخرى وفي مشهد يجمعهما كزوجين داخل المطبخ أيضاً،و تشترط عليه هنا أن يشتري لها فستان مقابل أن تعد له وجبة (باتنجان مقلي) :

« - أنا شامم ريحة باتنجان وهيدي أكلة بتعجبني

- وانا شامَّه ريحة فستان حلو كتير مناسبني

- ياعيني ع الباتنجان شو طيب مقلي بالزيت

- ويا عيني ع هالفستان بيلبقلك يا ست البيت»!.

طير وفرقع يا بوشار

وعن المناكفات بين الزوجة وضرتها تتوعد ليلى نظمي الزوجة الثانية التي ستقاسمها بيت الزوجية :

«خليه يتجوز يا بهية

وحشوف انا ولا هيَّه

وان كانت هيَّ اتخن منِّي

فرخة بكشك تتخِّني» .

في العلاقات بين المحبين يتجاوز (البوشار) قيمته الغذائية ليتحول إلى وصف حال العشيق (الملوَّعْ) وعلى يد جورجيت صايغ هذه المره :

«طير وفرقع يا بوشار

ما بصير أكتر ما صار

حبيبي قلبه فرقع

متل حبة البوشار ! ».

آه يا ملبن

تشبيه شكل وقوام المحبوب بأصناف الفاكهة والحلويات أو الطعام كان حاضراً في أغنيات كثيرة، وقد تتجاوز أحياناً موضوع الغزل لتعبر بشكل غير مباشر عن مشاعر وغرائز إنسانية مكبوتة ومنها : (خده يا قرص الجبنة ..يفطر عليه الصايم) لسميرة توفيق، (خدك القيمر انا تريق منا) ناظم الغزالي، (عنابي يا خدود الحليوة) كارم محمود، ومن فيلم (شباك حبيبي) 1951 غنى شكوكو: (آه يا ملبن ع جبينك ملبن ..عملوك ازاي انت يا ملبن ..حلواني يا واد وجمالك زاد ..ما شافتش العين زيك ملبن).

ولا زال لغاية الآن من (يتغزَّلْ) بهذه الطريقة وخاصة بأصوات ما يُطلق عليهم مطربي المهرجانات،و المواقع الالكترونية لازالت تساهم أيضاً ب (عسر الهضم الغنائي) وآخرها أغنية حديثة بعنوان (الأكل اللذيذ) لشاب وفتاتان، ولنا أن نتخيل الغزل كامل الدسم في هذا المقطع :

«معك عمري مشى بفطور وغدا وعشا

حبك بقلبي عزيز أطيب من الأكل اللذيذ

حبك في قلبي كول أطيب من أكل الفول

حبك ما فارقنيش مثل قرص الشنكليش

وبحبك مش مغشوش متل جاط الفتوش»!