عمان  - د. أماني الشوبكي

يخلف انحراف المراهقين آثاراً سلبية على الأسرة والمجتمع، فالشباب في مرحلة المراهقة يتبعون السُّلوك الانحرافي الذي يكون مُكتسباً وليس فطرياً، فهم لا يولدون منحرفين بل يقعون ضحايا للظروف التي تساعدهم على الانحراف.

ولا تقوم المجتمعات إلا بهِمم الشّباب وطاقاتهم، فهم عمادها وأسباب رفعتها، وهُم صناع كرامتها وعزتها، فالشباب، بما يملكونه من عنفوان وقوة، قادرون على توجيه طاقاتهم وقدراتهم لما ينفع مجتمعهم، وقد سجلوا في مختلف الأزمنة مواقف مشرفة في الدفاع عن وطنهم والسعي لرفعته وبنائه.

وترك غياب دور المدرسة في التوجيه والتنظيم والتحول للتعليم عن بعد أثراً سلباً على الشباب، وبخاصة المراهقين وسلوكياتهم.

وزاد الأمرَ صعوبةً أن غياب الشباب المراهقين يرافقه انشغال الأهل في تدبير مستلزمات الحياة ونفقات المنزل، ما يجعلهم غير قادرين على تخصيص وقتٍ كاف لمراقبة سلوك أبنائهم ومتابعة شؤونهم، النفسية تحديداً، ومجالستهم ومحاورتهم.

حيرة الأهل

والدة سمير الزعبي (١٤عاما) تتبع أسلوب اللين والتراخي تارة، أو القسوة والحزم تارة أخرى. وهي تبين أن أساليب معاملة المراهق من قبل الأهل تتراوح بينهم في محاولة للحفاظ على مستوى معين في تحصيله التعليمي وتفوقه الدراسي.

وتلاحظ أن جميع هذه الأساليب المباشرة، التي كانت تتبع معه عندما كان طفلاً، فقدت جانباً مهماً من تأثيرها، بل على العكس من ذلك، ربما أصبحت تعطي نتائج عكسية وسلبية في مرحلة المراهقة، وهذا ما وضع الأهل مرة أخرى في حيرة من أمرهم فيما يتعلق بالطرق الأمثل للتعامل مع مزاجية أبنائهم في هذه الفترة.

العامل النفسي

روان النسور تعاني مع ابنها، الذي يبلغ ١٤ عاما، لعدم قناعته بآرائهم وإرشاداتهم التي يعتبرها «تدخلا غير مشروع» في حياته.

وتشكو أن ابنها لا يلتزم بحضور الحصص الإلكترونية، إذ يتغيب عن الكثير منها بحجة أنها مكررة وغير مفيدة بالوقت الذي يسارع للخروج إلى الشارع والذهاب مع أصدقائه الذين يتغيبون مثله.

وأبدت النسور استياءها وقلقها حيال ابنها من أن يتعلم سلوكيات غير إيجابية من خلال الخروج لساعات مطولة مع أصدقائه إلى الشارع الذي لا تعلم هي كأم ما يفعلونه طوال هذا الوقت.

والد زيد المجالي (١٥ عاما) يتحدث عن الصعوبة التي يواجهها الأهل في التعامل مع الأبناء في فترة المراهقة على وجه الخصوص، وبخاصة الوقت الحالي الذي أصبح التعليم فيه بعيداً عن الغرف الصفية.

تعزيز الحوار

ويقول إن المراهقين شعروا بأنهم يفتقدون التواصل المباشر مع أصدقائهم، خصوصا وأن هذه الفترة من العمر تتصف بحب التهور والمخاطرة، دون الأخذ بالاعتبار التبعات المترتبة على تصرفاتهم على المدى الطويل أم القصير.

ويرى المجالي أنه يجب على الأهل الحديث مع تلك الفئة العمرية بشكل مستفيض وتعزيز روح المسؤولية لديهم بضرورة اتباع الإرشادات، وتوضيح أسباب الالتزام بها، وأن الخروج من المنزل سيعرض الأشخاص المقربين إليهم للخطر داخل الأسرة من كبار السن، أو الأشخاص المعرضين لحدوث المضاعفات بسبب الإصابة وتعريض أصدقائهم وأسرهم للخطر.

«إسأل ولا تأمر»

والدة زينة أبو هزيم (12 عاما)، تفعّل «القاعدة الأساسية» لشرح أسباب العزل والبقاء في المنزل للمراهقين هي: «إسأل ولا تأمر».. أي أن على الآباء الجلوس مع أبنائهم والدخول في نقاش معهم، دون إعطاء الأوامر فحسب عن أسباب العزل الذاتي وفوائد البقاء في المنزل.

لذا، بتقديرها، يتعين على الآباء والأمهات توجيه الأسئلة لأبنائهم لتعزيز روح المسؤولية لديهم بشكل غير مباشر، وتعليمهم قواعد أساسية للتعامل مع هذه الفترة الحرجة من عمرهم والظرف الذي يشهده العالم.

الفراغ مفسَدة

الشاب يحيى النشاشيبي (١٥عاما) يتحدث عن شعوره بالملل من التعليم الإلكتروني لأنه لا يستفيد منه الكثير وأنه لا يتابع جميع حصصه لأنها «لا تفيدني كثيرا»، ويبين أن الكثير من أصدقائه يلعبون مع بعضهم بعضا أثناء الحصص الإلكترونية وأحياناً أخرى يغيبون عنها ويخرجون للتنزه بالشارع.

ويبين أن هناك أصدقاء له تعلموا التدخين في هذه الفترة «لشعورهم بالملل لعدم وجود مدرسة» يذهبون إليها يومياً وعدم وجود أندية أو أي مراكز ترفيهية يفرغون بها طاقاتهم.

«التدمير الإلكتروني»

الأخصائي التربوي الدكتور خليل الزيود يتحدث عن «التدمير» الذي أحدثه التعليم الإلكتروني على المراهقين الذين «فقدوا معايير الالتزام».

ويبين أن التعليم عن بعد، مع طول الزمن، بدأ يعطي النتائج السلبية التي توقعها خبراء التربية والسلوك..

إذ أعطى فائض الوقت عند الأبناء الذي شكّله التعليم وقتا كبيرا للانشغال بالإلكترونيات والانترنت ومساوئهما على الأصعدة كافة في ظل تقصير الأهل بتربية أولادهم وانشغالهم بلقمة العيش ».

وعن مخرجات هذه الأمور وبُعد المراهقين عن الصفوف الدراسية المباشرة، يؤكد الزيود أنها أوجدت جيلا «لا يعرف معنى احترام الوقت والتنظيم».

كما أنه أوجد ظاهرة «عدم احترام المعلم وعدم وجود قيمة حسية له» لعدم التواصل المباشر معه، وكذلك «غياب الطابور الصباحي والنشيد الوطني وفكرة الالتزام بهما والاختلاط بالمحيط التي تساعد في تشكيل شخصية المراهق».

ما الحل؟

ويبين الزيود أن من اهم الحلول السريعة لهذه الظاهرة هو الرجوع الفوري للتعليم المباشر وإعادة الدعم النفسي للمراهقين داخل الصفوف وإعطاء المعلمين والمرشدين محاضرات توعوية نفسياً وسلوكياً بعد العودة للتعليم المباشر للتعامل مع هذه الفئة.

وعن دور الأهل في هذه المرحلة يؤكد ضرورة أن يحتضنوا أبناءهم في هذه الفترة التي تعد الأصعب تزامناً مع غياب دور المدرسة في الضبط والتوجيه، وأن يركزوا على سلوكيات ونفسية أبنائهم أكثر من تركيزهم على تعلمهم والتزامهم بالدراسة لان الدراسة تعوض ولكن الأبناء لا يعوضون.