الدكتور عامر العورتاني

مربع أحمر يتوسطه مثلث أبيض ، وهو الأيقونة الأكثر سحراً من بين تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي ، إنه اليوتيوب YouTube أكبر منصة تختص بعرض الفيديوهات على شبكة الإنترنت العالمية ، وذلك تحت شعار Broadcast your self أي بث لنفسك أو ذع لنفسك ، فهو يمنح الفرصة لكل فرد للمشاركة في رفع الفيديوهات وتحميلها ومشاركتها مجاناً ، الأمر الذي جعل من هذه المنصة مساحة رقمية عالمية و شاسعة لعدد لا متناهي من مواد الفيديو ، ، إلى درجة يمكن معها اعتبار هذا الموقع ظاهرة ثقافية مثلت مقولة أنّ العالم قرية كونية صغيرة ، فعبر ميزة التعليق أسفل مقاطع الفيديو ؛ فإنه يمكن للمستخدمين المشاركة بآرائهم حول مادة الفيديو ، الأمر الذي ساعد في تسهيل الاتصال بين الأفراد حول العالم وبناء علاقات اجتماعية لا محدودة ، وهو بالضبط ما دفع " جاود كريم " عام 2005 برفقة اثنين من زملائه إلى تأسيس الموقع الذي أصبح ملكاً لشركة Google عام 2006 ، لتقترن بعد ذلك العديد من مسميات بعض التطبيقات الرقمية المستحدثة بكلمة Tube في متجر التطبيقات .

ولا شك أنّ الموقع يمثل وجهة للكثير من الأفراد ، فعدد زائريه في الشهر الواحد يتعدى المليار ونصف ، وهم غالباً يستخدمونه عبر الهواتف الذكية ، ولا غرابة في ذلك ، فهو ينفرد بعدد من المميزات التي جذبت إليه هذا العدد من المستخدمين ، حيث تعتبر سهولة البحث في المنصة وإمكانية رفع وتحميل ومشاهدة الفيديوهات أهم النقاط الجاذبة في الموقع ، إضافة إلى قصر المدة الزمنية التي تُعرض خلالها المادة الفلمية مقارنة بالمادة المتلفزة الطويلة نسبياً ، ناهيك عن إمكانية التحكم بتقديم أو إعادة المقطع المرغوب فيه بحسب الحاجة ، والأهم من ذلك كله أنّ هذه الخدمة تُقدم مجاناً مقابل التسجيل في الموقع فقط ، الأمر الذي جعل من هذه المنصة موسوعة شعبية تحفل بآلاف وآلاف من المواد المتنوعة بين الديني والسياسي والعلمي والثقافي والترفيهي ، الأمر الذي جعله شبيهاً بمحرك البحث جوجل Google ، فما أن تطرح كلمتين أو أكثر عن المادة المطلوبة في خانة البحث ، حتى تظهر العديد من المواد الفلمية الخاصة بالموضوع ، أو ذات الصلة به ، ما يعني أنّ الموقع يُشكل مقصداً للباحثين عن المعلومات والأخبار والترفيه وحلول المشكلات ، ووفقاً لنظرية الاستخدام والإشباع فإنّ الموقع يُغذي رغبة وحاجة الكثير من الفئات - لا سيّما الشباب – في الوصول إلى المادة المرغوبة مجاناً وبسهولة وسرعة ، كما أنه أتاح الفرصة للكثير من المبدعين في مختلف المجالات لإطلاق إبداعاتهم ، دون المرور بالكثير من العقبات التي اعتاد المبدعون في الماضي المرور بها ، خاصة وأنّ للصورة أثرا بالغا على المستخدم فقد انتقلت ثقافة الصورة في عصر التكنولوجيا من الهامش إلى المركز ، فبعد أن كانت الصورة حاضرة كلياً في النقوش والرسومات القديمة ، تحول الاهتمام إلى الكلمة بعد اختراع الكتابة ، لتتصدر الكلمات المشهد الحضاري في التعبير عن حاجات الإنسان ووجدانه وعلاقاته وإبداعه ، لكنّ الصورة عادت لتسود المشهد الثقافي والإعلامي ، وذلك بسبب سهولة وصولها إلى المتلقي ، الذي يتهرب من بذل الجهد في قراءة النصوص ، وتفكيك العلاقات بين الكلمات .

لا يختلف اثنان على ما يختص به موقع يوتيوب من مميزات ، خاصة وأنّ الموقع يضع شروطاً لمستخدميه ، فهو يحترم حقوق الملكية الفكرية ، كما أنه يمنع تحميل المواد الفلمية غير الأخلاقية ، أو تلك التي تحمل مضموناً عنيفاً أو إجرامياً أو يحث على الكراهية أو الإساءة إلى شخصيات معينة ، لكنّ المتصفح لقنوات اليوتيوب بشكل عشوائي ، قد يُصادف بعضاً من الخروقات لسياسة الاستخدام هذه ، فالمنصة موقع نشط لجمهور واسع من المستخدمين ، وهو ليس حكراً على النخبة العلمية أو الثقافية ، إذ يمكن لأي فرد إنشاء قناة على يوتيوب ، ما أوجد مجالاً تنافسياً ضخماً ، ومع مجانية الخدمة وإمكانية الإعلان عبر القنوات التي تحظى بعدد كبير من المشاركين ، ونسب مشاهدة وإعجاب عالية ، فإنّ قنوات اليوتيوب أصبحت تُشكل مصدر دخل لأصحابها ، وهنا يتمحور أفضل وأسوأ ما في هذه المنصة ، فلا ضرر في أن تُصبح قناة اليوتيوب مصدراً للدخل ، وأن تربح كلّ الأطراف ، إذا ما كان المحتوى الذي تقدمه القنوات هادفاً ويتمتع بالمصداقية الكاملة المبنية على اختصاص صاحب القناة وعلاقته بالمحتوى الذي يُقدمه ؛ فالطبيب يُقدم معلومات طبية في صميم اختصاصه ، والمعلم يقدم دروساً حول المنهاج أو تعليم اللغات مثلاً ، ومدرب الرياضة كذلك ، وشيفات الطبخ أيضاً ، والكثير الكثير من المحتويات الهادفة التي تقدم المادة العلمية أو المهارات التي يحتاجها البشر في حياتهم اليومية ، لكن أجواء التنافس المحمومة ، والرغبة في زيادة أعداد المشتركين ، ورفع نسب المشاهدة والمشاركة وارتباط جميع ذلك بمقدار الربح المحقق ، تجعل من المنصة مكاناً مُتاحاً للبعض ممن يسيؤون استخدام مميزات الموقع ، والأدهى أن يُصبح المحتوى الهابط والمبتذل الذي يقدمه البعض سبباً في ارتفاع نسب مشاهدتهم ، وبالتالي ارتفاع قيمة أرباحهم ، ما يُشكل دافعاً لهم للمضي قدماً والابتذال أكثر فيما يقدمون ، ويدفع بالكثير ممن يتابعونهم إلى التمثّل بهم وتقليدهم ، ناهيك عن الكثير من السلوكيات والأساليب التي باتت تتلاعب بالذوق السلوكي والإعلامي العام ، فهناك من يلجأ إلى شراء المتابعين ، أو سرقة محتوى بعض القنوات أو تقليده ، كما يلجأ بعض الفارغين من أصحاب القنوات إلى مواضيع كالتحديات والمسابقات والمقالب الخالية من أي مضمون هادف لكسب المشاهدات وبالتالي الدولارات الناتجة عن أرباح قنواتهم ، حتى أنّ بعض ربات البيوت اتخذن من أعمالهنّ اليومية المنزلية مادة لقنواتهنّ ، وليس النقد موجهاً إلى قيمة ما يُقدمن ؛ بقدر ما هو موجه إلى ما يتخلل ذلك من استعراض لأدق تفاصيل حياتهنّ في حالة بعيدة عن الواقع أحياناً ، أو مبالِغة في اختراق الخصوصية أحياناً أخرى ، الأمر الذي يلفت إلى الفروقات في المستويات المعيشية ، ولا يخفى مدى مجانبة بعض ذلك لقواعد احترام مشاعر الآخرين ممن قد لا يتمكنون من تحصيل أبسط ما يُطرح عبر بعض الفيديوهات من مظاهر الإنفاق على وصفات الطبخ ، والملابس ، والأثاث ، ومظاهر الرفاهية .

وإنّ من أكثر أساليب الترويج للفيديوهات المطروحة على القنوات ؛ العناوين والكلمات المفتاحية المرتبطة بها ، حيث يلجأ الكثير من "اليوتيوبرز" إلى عناوين وهمية أو لافتة بغض النظر عن المصداقية بهدف حماية قنواتهم من "الموت " أو " السقوط " على حدّ تعبيرهم بفقدان المشتركين ، حتى بات عالم اليوتيوب فنتازياً لا يمت للواقع بصلة في بعض من القنوات التي لا تهدف سوى إلى تحقيق الأرباح فقط ، وحتى القُصّر و الأطفال لم يكونوا بمنأى عن هذا السباق الإعلامي غير المنضبط ، فالكثير من القنوات يمتلكها أطفال دون سن الرشد ، ويقدمون من خلالها محتوى بلغ حدّ الخطر أحياناً في حجم تأثيره السلوكي والأمني والتربوي عليهم وعلى متابعيهم من الأطفال ، ولا غرابة إذ يتابعهم أعداد بالملايين ، في مشهد يُثير التساؤل حول الأثر السلوكي والأخلاقي لمثل هؤلاء من أصحاب القنوات الذين أصبحوا من المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، فبعض أصحاب القنوات يلجأون إلى إيجاد حسابات على مختلف تطبيقات التواصل الاجتماعي ؛ لعرض محتواهم وتوجيه الدعوة للمزيد من المتابعين ، والأغرب أن تجد بعضاً من المتابعين يلجأون إلى طلب المساعدة المالية عبر القنوات التي يتابعونها ، وكأنّ تسوّلاً إعلامياً تتم ممارسته عبر هذه المنصة ، إضافة إلى أنّ إمكانية التحقق من هوية واختصاص صاحب القناة لا يمكن تحديدها على وجه الدقة ، خاصة في بعض القنوات التي يقدم أصحابها محتوى يتعلق بالتغذية السليمة والعناية بالصحة الجسدية والبشرة والمهارات الحياتية والتنمية البشرية والنصائح الطبية الحساسة ، فالبعض منهم لا تتعدى علاقته بالأمر دورة قام بالتسجيل فيها عبر الإنترنت ، ليُطلق على نفسه بعدها لقب دكتور أو اخصائي في هذا التخصص أو ذاك، وهنا تكمن خطورة بعض النصائح التي يقدمونها لمتابعيهم والتي يختلط فيها علم التغذية بالطب البشري والطب النفسي وغيرها من الاختصاصات التي تُعنى بصحة الإنسان في صورة مُضلِلة للمتابع ، كما أنّ اليوتيوب وبالرغم من سياسة الاستخدام التي يعمل على تحديثها بشكل متجدد ، لم يتمكن في بعض الحالات من ردع بعض أصحاب القنوات عن بث محتوى يحث على الكراهية ، أو العنف ، أو يروّج لشائعات معينة ، أو يُسيء لأشخاص معينين ، إضافة إلى بث المشاهد غير الأخلاقية ، أو المحتوى الذي يتضمن تعدياً صريحاً على حقوق الملكية الفكرية لأصحاب المواد الأصليين ، في خرق واضح لسياسة الموقع .

يجب التسليم بأنّ اللحظة التي يتم فيها رفع المادة الفلمية عبر منصة يوتيوب ، هي ذات اللحظة التي تصبح فيها المادة بين أيدي العامة من جمهور المتابعين الواسع ، ومع التهافت الغزير للمستخدمين من أصحاب القنوات والمشاهدين وأصحاب الإعلانات على المنصة ، لا يمكن تجاهل ذلك التهافت على ما هو مبتذل وكاذب وسخيف ومضلل من المحتوى الذي تقدمه بعض القنوات التي لا يسعى أصحابها سوى إلى جمع المال وتحقيق الشهرة ، وإنّ ما لا يمكن إنكاره أيضاً ذلك التهافت من المشتركين والمعجبين بتلك القنوات ومحتواها رغم سلبياته ، ما يعطي مؤشراً مبدئياً على وجود عدد من التحولات في منظومة القيم التي يُقيّم من خلالها هؤلاء المتابعون ذلك المحتوى ، ما يدفع إلى توقع تغيرات عميقة في سلوكيات الكثير من رواد هذه المواقع ، في حالة تكاد تطال أدوارهم الاجتماعية النمطية ، كما يدفع إلى توقع أن تصبح بعض الأفكار الخاطئة أو السلبية التي تُطرح عبر بعض القنوات واقعاً حياتياً مُسلّما به ، الأمر الذي يقود إلى التساؤل حول الدور المتبقي لوسائل الإعلام التقليدية في ظلّ التدافع الكثيف باتجاه قنوات اليوتيوب ، والمثير أنّ كثيراً من وسائل الإعلام أصبحت تستعين ببعض اليوتيوبرز المؤثرين لعرض محتواهم عبر القنوات الفضائية ، بهدف رفع نسب المشاهدة ، ولا خطأ في ذلك إذا ما كان المحتوى هادفاً وقيّماً ، وهو ما لا يُشكل قيمة أحياناً أمام إغراء ارتفاع معدلات المشاهدة مع الأسف .

لقد أصبح اليوتيوب ظاهرة إعلامية تحظى بإجماع جماهيري مرتفع جداً ، وفي ظلّ ضعف آليات الضبط و الرقابة ، وبريق الثروة والشهرة ، فإنّه بات من الضروري إجراء الدراسات المُعمّقة حول الأثر الذي يمكن أن تتركه منصة اليوتيوب وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي على منظومة القيم الإنسانية ، وعلى السلوك الإنساني بصفة عامّة ، ليتمّ في ضوء النتائج التي سيتمّ التوصل إليها وضع السياسات المناسبة التي تضمن تقنين وتوجيه عمل مثل هذه المنصات ، وممارسة رقابة فاعلة على أدائها ؛ بما يضمن تحقيق الفائدة المرجوّة من مميزاتها ، ودرء الخطر الناجم عن سلبياتها .

أخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com