ملك يوسف التل

ما زال لدينا دَيْنٌ قديم مستحقٌ على العين السابق مي أبو السمن، وهو توثيق ذاكرة الوالد حمدي توفيق أبو السمن باعتبار هذه الذاكرة هي التاريخ الاجتماعي غير المكتوب للسلط في القرن العشرين والتاريخ الإداري لمختلف محافظات المملكة التي عمل فيها حاكما اداريا.

ويصبح سداد هذا الّديْن الوطني فضلا مضاعفا لو قّدر لنا أن نوثق على لسان أم عمر ما عاشته وانجزته في مختلف محطات عملها الوظيفي والتطوعي، وهو السِّفر المستحق لتوثيق الحياة الاجتماعية والانسانية الأردنية في النصف الثاني من القرن العشرين.

فقد عملت مي حمدي أبو السمن وتركت بصماتها في شتى المفاصل التنموية ابتداء من التعليم وصولا إلى عضوية الأعيان. وما بينهما عضو مجلس أمناء جامعة الحسين وامين سر تجمع لجان المرأة الأردنية لعقدين ويزيد. وكذلك عضويات صندوق التنمية والتشغييل والمجلس الأعلى للشباب والمركز الوطني لحقوق الإنسان. والمجلس الاعلى للإعلام واللجنة الوطنية لشؤون المرأة واللجنة الملكية لحقوق الإنسان.

وفي الذي تمتلكه أم عمر من دأب الريادة وقوة الحضور بالرأي الاجتماعي المستقل، فإننا من طرفنا لن نملّ انتظار إصدارين منها، أحدهما ليوثق ذاكرة الوالد في العمل الوطني، والآخر يستذكر ما فات المؤرخين في تسجيل التاريخ الاجتماعي للمملكة.

محطات بين الكفاح والصبر

بدأت أولى محطاتي في العمل العام معلمة لغة عربية لسنة واحدة بسبب مرافقة زوجي سليمان عربيات، الذي تعرفت عليه عن طريق صديقة مقربة للقلب.

عرفته الشاب الأردني المكافح الطموح المثقف، وحصل النصيب فأقمنا مراسم الزواج التي تمت كباقي العوائل الأردنية في طقوسها. وبعد ذلك بفترة غادرنا إلى أميركا لمدة ثلاث سنوات حصل خلالها أبو عمر على درجة الدكتوراة في الاقتصاد الزراعي. وكانت تالا ابنتنا البكر في رفقتنا حيث لعبت في مسيرة حياتي ووالدها أياما حلوة بكل تفاصيلها في رحلة ما بين الكفاح و الصبر.

بعودتنا عدت إلى السلط ثانية لمواصلت عملي معلمة في مدرستها الثانوية.

و بعد سنة تم اختياري لتأسيس مدرسة هالة بنت خويلد وعينت فيها مديرة لمدة ثلاث سنوات ومن ثم نقلت إلي المدرسة الشاملة وكانت مدرسة مهنية.

لكن لم تسر الأمور كما كان مقرراً لها للفهم الخاطئ للتعليم المهني وقلة الإمكانيات المالية فرجعت مديرة لمدرسة السلط الثانوية، وهي المدرسة التي درستُ فيها ودّرسْتْ ومن ثم استلمت ادارتها، ومن منبرها العلمي الشامخ كان خطاب القلب في عام 1984 أمام الملك الحسين وهو اليوم الذي ما زال مطبوعاً في الذاكرة مستذكرة لحظة تقدمي من المنصة التي كان الحسين يجلس عليها، ولحرارة كلمات الخطاب التي توغلت في قلب الحسين الكبير ووجدانه.. خطابا سمعته أسوار القدس العتيقة بالدفاع عن وحدتها و قدسيتها وعروبتها فتداولته مكبرات الصوت حتى?وصل عنان السماء لتتناقله أغلبية المدارس في المناسبات الوطنية والاجتماعية.

الكوتا النسائية

توليت إدارة مدرسة السلط الثانوية, عام 1980 وكان لا بد من ريحانة أغرسها تكريما لبناتي الخريجات بحفل يليق بهن وبمدرستهن وهيئتها التدريسية برعاية الأميرة بسمة.

فبعد رحلة امتدت خمسة عشر عاماً خلالها اختارتني شقيقة الحسين لأكون أول مقررة لتجمع لجان المرأة في البلقاء ومن ثم انطلقنا في كل المحافظات.

لجان المرأة نبتة مباركة غرستها الأميرة الهاشمية بسمة بنت طلال وتنظيماً نسائياً عمل على تمكين المرأة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ومحطة مهمة لدعم النساء للوصول إلى مواقع قيادية في المجالس البلدية، فكانت المبادرة من أميرتنا بتعيين 99 سيدة في المجالس البلدية فتشجعت النسوة وبدأن يتسابقن لخوض الانتخابات والوصول إلى رئاسة البلدية منهن عشرات العضوات المتميزات والكفؤات في أنحاء المملكة كافة.

وبحسب سؤالك دفعتني هذه التجربة الرائدة للإنحناء للعاصفة والإيمان بأن الوصول إلى قبة البرلمان لن يكون إلا بالكوتا التي لقيت معارضة على المستويات الشعبية والرسمية بادعاء أنها تمييز ولا نص قانوني فيها.

لكن الإرادة السياسية تغلبت على إرادة المعارضين فجاءت الكوتا في مضمونها تحد للديمقراطية ولمستقبل المرأة السياسي وما كان علينا في التجمع إلا العمل باختيار المرأة الكفؤ لتحقق إنجازات ذات أهمية تعطي صورة مميزة للمرأة في أدائها البرلماني وأن تحدث تغييراً في بنية المجتمع بخلق قناعة راسخة على قدرتها وجديتها وهي خطوة لا شك تؤدي لتغيير بعض الأفكار العتيقة، نتيجة أداء فعلي من قبل البرلمانيات بما يقدمنه من إنجاز يثبت قدرتهن ومكانتهن في المجتمع.

بعد تلك السنوات التي استطاعت فيها المرأة الأردنية الوصول إلى ما وصلت إليه وبخاصة عضوية مجلس نواب، ورغم قناعاتي بالكوتا النسائية إلا انني اتحفظ على اداء بعض الأخوات في المجلس ليس من حيث حجم الاداء ومستواه وانما من حيث طبيعة التوجهات والتناقضات التي وقع بها بعضهن من غير قصد بسبب انتماءات أيديولوجية أو ربما نتيجة الانضمام لكتل برلمانية معينة.

التمكين الاقتصادي هو كلمة السر

القضايا الأساسية بالنسبة لي في تجمع لجان المرأة، كانت تمكين المرأة سياسيا ومع ذلك لم أر بالتمكين السياسي وحده مفتاح الحل لتعزيز دورها في المجتمع، لإيماني بان التمكين الاقتصادي هو كلمة السر وان المرأة لا يمكن أن تكون قوية و قادرة على إدارة شؤون حياتها وشريكة فاعلة بالأسرة والمجتمع ما لم تتمتع بالاستقلال الاقتصادي. لذلك أصررت على تمكينها اقتصاديا، وهو ما يؤهلها بالاستقلالية لتصبح شريكة في صنع القرار.

و لعل هذا ما يقودنا الى أن عدم امتلاك المرأة القدرة الاقتصادية يجعلها ضحية للعنف هي وأطفالها وتبقى المشكلة قائمة، لذلك أكدنا في التجمع على اقامة المشاريع الصغيرة والبحث عن أفكار خلاقة لتحفيز منتسبات المجتمع لتأسيس مشاريعهن الخاصة.

ولعل أهم ما يشعرني بالفخر والاعتزاز في مسيرة التجمع يكمن بالخوض في قضية شائكة وحساسة في حقوق المرأة حيث كنا أول من دافع عن حقها بالميراث من خلال التجمع الذي قام بأول دراسة لبحث أسباب عدم حصول المرأة على حقها في الميراث. ولأن حجم هذه الظاهرة يشمل جميع النساء في جميع محافظات المملكة فقد طالبنا باصرار ومتابعة على أهمية وجود صندوق تسليف النفقة.

الجمع بين التقاعدين

ما زلت أشعر بالحماس والاعتزاز حينما وجهت إليَ احدى الأخوات من الطفيلة سؤالا حول حقها في الجمع بين تقاعدها وتقاعد زوجها المتوفي.. هزتني صرختها وما زال رنينها يطرق سمعي.

التقيت حينها رئيس الوزراء بهذا الخصوص وفيما بعد وجهت نداء باسم التجمع بحق المرأة في الجمع بين تقاعدها وتقاعد زوجها فقام التجمع بحملة شاملة متواصلة في محافظات المملكة كافة حتى استطعنا الوصول إلى هذا الحق الإنساني من حقوقها.

لقد اخترت مسيرتي مع هذا التجمع بين اخواتي في مدن وأرياف وقرى المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها للبحث عن وسيلة تساعدهن لتحسين أسلوب معيشتهن، وكانت النهاية الصعبة في التمويل الأجنبي والمحلي حيث رفضنا الرضوخ لأجنداتهم التي لا تمنح أولوياتنا شيئا من الاهتمام فعملنا على التشبيك مع مجموعة ناشطات يملكن القوة الاجتماعية و القدرة الإقتصادية لمساندتنا في إيجاد مصادر دخل لدعم مشاريع التجمع.

مجلس الأعيان

أثناء هذه الفترة التي امتدت من عام 1995 إلى عام 2015 ظل هناك سؤال يشوش أفكاري.. ماذا لو سألتني مولودة 1995 (مؤتمر بكين) ماذا عملنا للمرأة؟ لا أدري!

في تلك الفترة تم تعييني بمجلس الأعيان لثلاث دورات متتالية. هذه المحطة منحتني إيماناً و ثقة بأن الأردن بلد العطاء مخلص لأبنائه يحميهم ويقدرهم فكان تعييني في مجلس الملك تتويجاً لنضالي وكفاحي مع المرأة وقدوة لكل المكافحين وأن طالب الولاية لا يولى.

في دورة المجلس الثالثة انتخبت رئيسة للجنة المرأة وهذا موقع كان حافزاً ودافعاً لي للعمل مع خيرة الخيرة ممن اختارهم الملك لنصرة قضايا المرأة وهي الفترة التي توجت بوقوف المجلس مع كوتة المرأة في مجالس المحافظات.

أسرتي

أبو عمر: الغائب الحاضر.. جذبتني عاطفته الشديد نحو الضعفاء وطيبة قلبه وتسامحه.. احتضانه لأسرته وفكره النير تجاه قضية المرأة و إيمانه الكبير بالله وبالأرض و لوطن جعلت منه انموذجا يحتذى به وان كانت صراحته تستفزني أحيانا لكنني على يقين بأنها صراحة الشجعان.. ظل سندي وأبنائي.. فارقنا وما زال بيننا حاضرا. عشنا معاً حياة بكل طقوسها والكثير من مسمياتها.. قربتنا ووحدتنا وان كان أشدها وقعا على النفس سنوات دراسته في أميركا. ترك للأحفاد ولمحبيه (وجه القمر) سيرة ذاتية لحياة رجل ليس ككل الرجال.

تالا: ابنتنا البكر حاصلة على درجة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة تكساس, ودرجة الماجستير من جامعة هارفارد. تعمل بجامعة الحسين التقنية. ديمة: دكتورة صيدلانية تعمل في باريس مع مجموعة سانوفي.

عمر: أستاذ في جامعة البلقاء حاصل على درجة الدكتوراة من بريطانيا.

زينة: تحمل درجة الماجستير بالتسويق وتعمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

مجد: خريجة الأدب الفرنسي تعمل مساعد مشاريع. وبسمة: تخصص تجارة دولية وتعمل بالتخطيط.

وهكذا تأخذنا الحياة في طرق رئيسية ومتشعّبة، منها ما يكون مفعماً بالأمل والتجارب التي تبعث فينا الحماس وتقوّي الإرادة لنحقق أحلامنا، ومنها ما يكون محتوياً على عوائق تحفزنا على تحدي الصعاب لنتخطاها، فتقوى بذلك شوكتنا وتتهذّب أنفسنا وتعتاد على تحمل المسؤولية..

إنها الحياة، التي تحوي كل ما قد يدهشنا، أو يسعدنا، أو يحزننا أو يفرحنا، ختمتها برئاسة جمعية المرأة في مواقع صنع القرار وما زلت أؤمن أننا ما زلنا في بداية الدرب في مسيرة النضال النسوي وهي خطوة موفقة بفضل الله تقدمنا بها لتتم المسيرة مع زميلات عزيزات منهن: ملك الناصر، ابتسام الأيوبي، د. حنان ابراهيم واحسان بركات.