أبواب - زياد عساف 

للماضي سحره وروعته، ولكل فرد طريقته وأسلوبه باستعادة هذا الحنين، كالإحتفاظ بصور قديمة تذكره بالصحبة والأحبة، أو رسائل غرامية قديمة في ثناياها بوح على الورق من زمن لم تكن تسمح به عواطفنا الخرساء بالتصريح جهراً بهذه المشاعر.

أما صديقنا (الحنون) ذو الإحساس المرهف فكانت له هواية غريبة بعض الشيء، إذ اعتاد منذ نعومة أظفاره أن يحتفظ بالتذاكر التي يستخدمها في وسائل النقل ومشاهدة العروض السينمائية، ولعل ما استوقفني في هذه الهواية أن القاسم المشترك بينهما (الكنترول)، وهو لقب الموظف المراقب والمخوَّلْ بالتدقيق على التذاكر وإرشاد كل فرد لمكانه المخصص له سواء في قاعة السينما أو مقعده المناسب في حافلات النقل بكافة أنواعها، وجرى العرف على تسمية الأخير ب (الكمساري) أو الجابي و(المُحَصِّلْ) أحياناً.

المعلم بحبح

(المعلم بحبح) فيلم من إنتاج 1935، وتعتمد حبكة الفيلم على شخصية الكمساري بحبح (فوزي الجزايرلي) الإنسان الطيب الذي يقوم بإنقاذ حياة أحد الركاب فيكافئه الأخير بإعطائه ورقة يانصيب ويكون هو الرابح وعلى إثرها يقوم بإنشاء مصنع ألبان والمساهم بالأعمال الخيرية، وهذا العمل بحد ذاته إشارة بأن هذه المهنة كانت تحظ بالاحترام والتقدير تلك الفترة، وفي الوقت نفسه تضمنت بعض الأفلام أن من هم على شاكلة بحبح يمكن أن يعيشوا قصة حب كسائر البشر، وهذا ما ينطبق على شخصية حمدي (كارم محمود) كمساري الترام بفيلم (لسانك حصانك) 1953 ا?ذي يعيش قصة حب مع جارته بالفيلم شادية.

يوم في العالي

التمييز الطبقي ظاهرة بارزة في المجتمع، المخرج حسين فوزي وظَّف شخصية الكمسري للتعبير عن هذه النظرة السلبية عبر شخصية كمساري الترام عثمان افندي (علي الكسار) الذي يحظى باحترام أهل الحارة باعتبار أن هذه المهنة تجعله في أعلى رتبة بين سكان الحي وفجأة يسكن في جواره كمساري المترو رضوان (حسن فايق)، من هنا يتحول الاحترام كله لرضوان ويهمل الناس عثمان أفندي باعتبار أن العمل في المترو أكثر وجاهة من الترام وتتصاعد الأحداث ويُعَيَّن عثمان أفندي مفتشاً في المترو ليصبح رضوان تابعاً له بطبيعة الحال ويهمل أهل الحي الأخير ?يحظ عثمان أفندي مرة أخرى بالحظوة كلها!.

وجاء التعبير الأبرز عن الفوارق الطبقية في رائعة نعمان عاشور بفيلم (الناس اللي تحت) 1961، والتي جسَّدها سينمائياً المخرج كامل التلمساني عبر شخصية الكمساري عبد الرحيم (شفيق نور الدين) الذي يسكن في البدروم ويحلم بالإنتقال للسكن مع (الناس اللي فوق) في الأدوار العليا المخصصة للأثرياء، وينتظر بفارغ الصبر تخرج ابنته الطالبة الجامعية لطفية (سلوى سعيد) على أمل أن تنقله لمجتمع الغنى والرفاهية.

حبكة

كثيرة هي الأعمال السينمائية التي تطرقت لحوادث نشل يتعرض لها الركاب في حافلات النقل، وجاء هذا الحدث على الأغلب بمثابة الحبكة التي أرادها المخرج والمؤلف لتكون منطلقاً لدراما عاطفية واجتماعية، ومنها على سبيل المثال فيلم (حرامي الورقة) إنتاج 1970، وتتقارب فكرة هذا العمل مع الفيلم السابق (المعلم بحبح)، إذ تتعرض زينب (نجلاء فتحي) للنشل في الأتوبيس ومن ضمن ما سُرِقَ ورقة يانصيب، وتذهب لقسم الشرطة لعمل محضر بالواقعة بحضور الكمساري الباهت وغير المؤثر بالمشهد، ومع تطور الأحداث تذهب الورقة لأحمد (محمود رضا)، وتربح ال?ائزة المالية فيما بعد ليدب الخلاف بينه وبين زينب على أحقية كل منها بالجائزة وتتحول العلاقة لقصة حب ثم زواج، وبرؤية مشابهة تقع أحداث فيلم (سارق المحفظة) 1970 مع بطل الفيلم رشدي أباظة، وبفيلم (المحفظة معايا) 1978 يحترف عطوة (عادل إمام) النشل في الأتوبيس، ومع عادل إمام أيضاً وفي مشهد الأتوبيس من فيلم (لا من شاف ولا من دري) 1983، يتم سرقة ملابسه الخارجية وينزل من الأتوبيس للشارع بملابسه الداخلية فقط، كل الأحداث السابقة تقع بحضور الكمساري والذي مهمته الرقابة وسلامة حياة وأموال الركاب لكن دون أن يحدث أي شيء من ه?ا القبيل.

واحد صفر

وهذا ما ينطبق أيضاً على قضايا التحرش الجنسي في الأتوبيس والتي ناقشتها السينما برؤى مختلفة في أعمال مثل: (دموع في ليلة الزفاف) 1981 حيث تتعرض (بوسي) للتحرش في الأتوبيس بحضور والدها (فريد شوقي) الذي يدخل بمشاجرة مع المتحرشين وكل ما يفعله الكمساري إطلاق صافرة لتنبيه السائق بالتوقف لكي يغادر الأب وابنته دون اتخاذ الإجراءات المتبعة في هذه الحالة، ومن فيلم (واحد صفر) 2009 للمخرجة كاملة أبو ذكري، وفي مشهد واقعي يتكرر يومياً في وسائط النقل تتعرض أم عادل (انتصار) للتحرش الجنسي الفاضح والكمساري منشغل بجمع النقود من ?لركاب!، ومن فيلم (678) إنتاج 2010 وإخراج محمد دياب تدافع فايزة (بشرى) عن نفسها بتوجيه ضربة بأداة حادة للشخص الذي تحرش بها وقبل أن تلوذ بالفرار يسألها الكمساري باستغراب (ضربتيه ليه!).

خلاصة القول أن غياب حضور الكمساري كرقيب في ما سبق من مشاهد سينمائية فيما يخص حالتي النشل والتحرش دلالة غير مباشرة لغياب الرقابة على الضمير والأخلاق لدى هذه الفئة المنحلة من المجتمع، وغياب رقابة سلطة الدولة أيضاً والمتمثلة هنا بغياب الحضور الفاعل لشخصية الكمساري باعتباره موظف دولة.

جابر ومرزوق

إرتباط شخصية الجابي أو المُحَصِّلْ كشاهد على الأحداث السياسية جاء من خلال مجموعة من الأفلام العربية وفي مقدمتها فيلم المخرج حسين كمال (إحنا بتوع الأتوبيس) 1979، وتبدأ الحكاية في عام 1966تمهيداً لإبراز الواقع السياسي في مصر اّنذاك مع بداية أحداث الفيلم عندما تقع مشاجرة بين مُحَصِّلْ الأتوبيس (ابو السعود عطية) مع جابر (عادل إمام) ومرزوق (عبد المنعم مدبولي) ويقتادهم الأول لقسم الشرطة، يغادر المُحَصِّلْ بسلام ويتم الزج بهما بتهمة قلب نظام الحكم ويتعرضان للتعذيب القاسي، وينتهي الفيلم بهزيمة 1967 كنتيجة حتمية ل?ذا الواقع حسب رؤية مخرج العمل.

حادثة النصف متر

وفي أجواء هزيمة 1967 أيضاً تقع أحداث الفيلم السوري (حادثة النصف متر) 1981 للمخرج سمير ذكرى عن قصة للكاتب المصري صبري موسى، وصوِّرَ بالفيلم مجموعة مشاهد داخل حافلة النقل، وكان حديث الجابي منصباً على الحوار اليومي العقيم بينه وبين الركاب حول تحضير الفكة أو (الفراطة)، والإشارة المتكررة للسائق بالتوقف عند محطة معينة لنزول الركاب، ومع اشتداد المعارك على الجبهة المصرية والسورية وورود الأنباء الإعلامية المضللة عن تحقيق انتصارات كاسحة على الجبهة، يظهر الجابي منتشياً بهذه الأخبار تعبيراً عن توحد الشعب بكافة فئات? ليبلغ الركاب بإعفائهم من الأجرة بتعليمات من الدولة إحتفاءً بالنصر المزعوم، ويجدر بالذكر وجود نسخة عن القصة ذاتها لفيلم مصري بنفس الاسم (حادثة النصف متر) 1983 لمحمود ياسين ونيللي.

فرحان ملازم اّدم

بعد حرب العبور 1973بسنوات قليلة تغيرت الأحوال مع دخول مصر عصر الإنفتاح وما نجم عنه من طغيان القيم الإستهلاكية وتراجع القيم الإنسانية في المقابل، إلا أن المخرج عاطف الطيب ومن خلال فيلم (سواق الأتوبيس) 1982 يدعو للتشبث بالقيم والمباديء من خلال الشخصيات الأصيلة والنقية في المجتمع، ومنها شخصية الكمساري ضيف (حمدي الوزير) الذي يقدم ما ادخره من أموال بهدف الزواج للسائق حسن (نور الشريف) ليستعيد منجرة والده التي حجزت عليها الضرائب. ومن عصر الإنفتاح إلى عالم العشوائيات وتقديمها كمعادل الموضوعي للواقع الاجتماعي وال?ياسي والذي جسَّدته السينما المصرية من خلال الحياة اليومية للعديد من أصحاب المهن وكان الكمساري واحداً من هؤلاء عبر أحداث فيلم (فرحان ملازم اّدم) 2005، ويحكي قصة الشاب النقي فرحان (فتحي عبد الوهاب) القادم من أسوان ليعمل كمساري في إحدى المحطات، ويسكن في حارة خربوش (العشوائيات)، ثم يصطدم بواقع المدينة المؤلم ويتعرض لبطش السلطة من خلال صراعه مع المخبر عبد القادر (سامي العدل) وينتهي الفيلم بعودة فرحان لقريته (الديمومة) مهزوماً بعد عجزه عن تحقيق الحلم الذي حضر لأجله .

الجابي

اتسمت بعض أفلام (الكمسرية) بالطابع الكوميدي الساخر مع اختلاف المضمون ومنها الفيلم العراقي (الجابي) إنتاج 1968، وقام بدور الجابي الفنان العراقي أسعد عبد الرازق ومسرح الحدث حافلة نقل وعبر أنماط شخصيات الركاب ومعاناتهم مع المتاعب والمشاكل اليومية، أما فيلم (ليلة شتاء دافئة) 1981 وبهدف إضحاك المشاهدين وعبر مشهدين يقوم عادل إمام بالتهكم على الكمسري بهدف إضحاك المشاهدين لدرجة شدِّه من الجاكيته بطريقة فيها إمتهان مباشر لأصحاب هذه المهنة.

الكمساريات الفاتنات

اقتصرت هذه المهنة على الرجال فقط لغاية عام 1956 مع ورود خبر في إحدى الصحف يفيد بتعيين أول فتاة (كمسارية) في مصر وهي عايدة محمد المغاوري الطالبة في كلية التجارة. المخرج حسن الصيفي التقط الفكرة لتوظيفها كواحدة من حالات المساواة بين المرأة والرجل وأنجز فيلمه (الكمساريات الفاتنات) 1957، وقام بهذه الأدوار: نجاح سلام وزينات صدقي ورجاء وعواطف، وهنا يبدأ الكمسارية من الرجال بتدبير المقالب لهن لمنعهن من منافستهم بالمهنة، ويكون الحل الأخير بالنسبة لهم بالزواج منهن ليجلسن في المنزل ويتركن العمل بناء على ذلك، إلا أنه? تفاجأوا نهاية الفيلم بتعيين دفعة كبيرة من الفتيات في المهنة ذاتها.

سارق «الأتوبيس»

ومن الملاحظات الأخرى التي تتطلب التوقف عندها وفيما يتعلق بالأفلام التي تناولت هذه المهنة، ارتباط شخصية الكمسري بالدواء، ومن خلال أربعة أعمال سينمائية، ومنها فيلم (حياة أو موت) إنتاج 1954 لعماد حمدي ومديحة يسري وبطلة الفيلم الطفلة سميرة (ضحى أمير) التي تستقل الترام للذهاب للصيدلية لإحضار الدواء لوالدها الذي اشتد عليه المرض وعليها أن تكسب الوقت، وفي موقف إنساني نبيل يتعاطف معها الكمساري ويبلغ السائق بالإسراع دون توقف، ومع ذلك أخطأ الصيدلي بتركيبة الدواء وأصبح تناوله خطراً على والدها فيما لو تناوله، ومن فيلم ?3 لصوص) 1966 وفي حالة مشابهة يستقل الأسطى فهمي (فريد شوقي) الأتوبيس ومعه الدواء الذي أحضره لزوجته المريضة أيضاً، إلا أن الكمساري يتلكأ ويطيل الحديث مع أحد معارفه في الشارع ما يضطر الأسطى فهمي لسرقة الأتوبيس من السائق للوصول للبيت في أسرع وقت، ولحظة دخوله المنزل ومعه الدواء يجد أن زوجته قد فارقت الحياة!.

سكة سفر

الفيلم الثالث (قلوب في بحر الدموع) 1978 ويؤدي به الفنان عبد الرحيم الزرقاني دور الكمساري الفقير (خليل)، وبالقروش القليلة التي يملكها ذهب للصيدلية لشراء الدواء لأبنه المريض في البيت عادل (صلاح السعدني)، إلا أنه وبعد خروجه من الصيدلية يتعرض لحادث دهس، ويبقى الدور المؤثر لكمساري القطار ابراهيم (عبد المنعم ابراهيم) الذي قارب على سن التقاعد ضمن سلسلة أحداث فيلم (سكة سفر) 1987، وفي حوار يجمعه مع زوجته المريضة (رئيفة)، وفي محاولة منه لرفع معنوياتها يبلغها بأنهما سيعودان معا لبلدتهم (القنطرة) حيث الشمس الساطعة هنا?: (صحتك في النازل.. انتي دواكي الشمس يا رئيفة)، إلا أن الفقر دفعه في هذا العمر لأن يسافر للخارج للعمل في أجواء الصحراء وشمسها الحارقة وهي حتماً ليست الدواء الذي يبحث عنه.. وأي دلالة تعكسها هذه الأعمال سوى أن الفقر ليس له دواء!.