أبواب  -  وليد سليمان

الإعلامي العريق د. نايف نعناعة كان يتمتع بعدة مواهب ثقافية, فقد كان:

كاتباً للمسرحيات ومخرجاً لها, ومؤلفاً للمسلسلات الصحفية, ورساماً وخطاطاً, وموسيقياً وزجالاً,ومؤسساً ورئيساً لنادي هواة الفنون والمجلة الشهيرة بنفس الاسم في العام 1964 وحتى العام 2006 في عمَّان- حيث استقطبت المجلة والنادي العديد من مشاهير الفن والأدباء الأردنيين قديماً.

ومن ذكريات نعناعة الفنية والثقافية حديثه عن أوائل دور وصالات السينما القديمة في عمان من (منتصف الأربعينيات وحتى بداية الستينيات) من القرن الماضي.

سينما الإمارة!

ويتذكر نايف نعناعة قائلاً: في العام 1943 عندما رأى شكري العموري وهو أحد مؤسّسي سينما البتراء الإقبال المتزايد من جمهور عمَّان على حضور أفلام السينما؛ عمل بالاشتراك مع صلاح العلبي على تأسيس سينما جديدة صيفية بدون سقف على سطح عمارة ماضي, ثم نقلها فيما بعد الى سطح عمارة آل شريم الكائنة في ساحة الملك فيصل قرب مطعم جبري أسمياها سينما الإمارة.

وكان عرضها يبدأ مساءً عند حلول الظلام، وكان معظم روادها من الشباب.. وكانت تعمل على ماكنة عرض قديمة واحدة, واذا تعطلت توقف العرض في ذلك المساء!.

وكانت معظم أفلام سينما الإمارة قديمة ومحززة لكثرة تشغيلها، فكانت تظهر الصورة وقد تخللها خطوط بيضاء متقطعة كسقوط المطر.. وكثيراً من كان ينقطع الفيلم ويتوقف العرض لحين ترميمه!.

ولعلّه تم شراء هذه الماكنة (الخردة) من إحدى الدول العربية المجاورة!.

ويقول نعناعة: وقد حدثني أخي أنه كان مع صديق له يشاهدان أحد أفلام هذه السينما فتعطلت ماكنة العرض بعد مشاهدة نصف الفيلم!! وعبثاً تعذر تصليحها بعد محاولات عديدة, واحتج رواد السينما فخرج عليهم مدير السينما؛ وخيَّرهم بالعودة في اليوم التالي لمشاهدة الفيلم (كاملاً) من (أوله).. او كل واحد يأخذ قرشاً من القروش الثلاثة التي دفعها وينصرف بعد أن شاهد نصف الفيلم!.

سينما الفردوس

ولما كانت السينما (مكان.. وماكنة.. وفيلم) في عُرف البعض أيام زمان, وتدرُّ ربحاً لا بأس به, فقد رأى الأخوان عبدالغني وعبدالرزاق الفيومي ان يمارسا هذه (التجارة) بتحويل مقهى الفردوس الذي يقع في الطابق الثاني من عمارة آل قردن- في شارع الملك فيصل- الى دار سينما أسمياها (سينما ستوديو فيومي).

ولمَّا انفصل عبدالرزاق عن أخيه عبدالغني بغية إنشاء سينما لوحده، أسماها عبدالغني سينما الفردوس نسبة الى المقهى القديم فيها!.

وكان موضع آلة العرض » كابينة» على بلكونة تطل على الشارع فوق رؤوس الناس, وعلى مرأى منهم, وكانت شاشة العرض هي حائط الصالة.

ويتذكر نعناعة قائلاً: وقد قُدر لي أن أدخل هذه السينما في أحد أيام العيد (على الواقف) لازدحامها بالأولاد أمثالي.

وقد تعب بصري لقربي من (شاشة) الحائط, الذي كنت أقف أمامه وألمسه بيدي, وتعبت قدماي من الوقوف!! فانصرفت قبل نهاية الفيلم.. وكانت أول مرة وآخر مرة أدخل هذه السينما, ثم أغلقت فيما بعد... خاصة بعد قيام عدد من دور السينما الفخمة في عمَّان.. وعاد مكانها المقهى والذي تغير اسمه الى » مقهى العاصمة", إلى أن انتهى أمره هو الآخر وهُدمت العمارة وتم بناء عمارة جديدة مكانها منذ حوالي 25 سنة.

سينما الفيومي في اللويبدة

وبتفكيره الذكي وعقله التجاري المتوقد رأى عبدالرزاق الفيومي ان الاستثمار في مجال دار عرض سينمائية لا بد ان يكون هو مالكها ولا شركاء معه.

لذلك فقد أسّس وبنى دار سينما الفيومي عام 1949، في سفح جبل اللويبدة المُطل على شارع الأمير محمد، على طراز حديث، فكانت أرقى دار سينما في عمان من حيث الموقع والبناء والشكل والتنظيم والأثاث.

ولأول مرة كانت مقاعد السينما ترتد قاعدتها الى الخلف عند القيام عنها، والشاشة لها ستارة مخملية تنفرج قبل بدء العرض الذي كان يبدأ بالإعلانات التجارية!.

ولذلك وحتى يسترد الفيومي بعض ما أنفقه من مبالغ كبيرة وينافس دور السينما التي بدأ افتتاحها بتتابع.. فقد كان الفيومي أحد

أبرز أساطين فن الدعاية في اجتذاب الجمهور بشتى الوسائل والطرق التي لا تخطر على بال!.

خطاط السينما

وكان المنفذ الوحيد لأفكاره وتوجيهاته هو الفنان الرسام والخطاط «حلمي حميد» الذي كان يرسم ويخطط ويصنع اللوحات والمجسمات, ويزين السينما باللافتات وحبال المعلقات البراقة والملونة, التي تحمل اسم الفيلم المعروض أو أسماء الأفلام القادمة مثل: كوفاديس وجان دارك والفرسان الثلاثة وغيرها!.

وأذكر لوحة كبيرة مجسمة تمثل الفنان يوسف وهبي كانت تواجه الجمهور امام دار السينما كدعاية مسبقة لفيلم كرسي الاعتراف.

وكنت أراقب هذه الاعمال الفنية أثناء ذهابي وإيابي من المدرسة فأحاول أن اقلّدها فأرسم وأخطط وأصنع مثلها!.

عبد الرزاق الفيومي

ويستمر الإعلامي نعناعة قائلاً: وكنت معجباً بالسينما وبصاحب السينما «عبد الرزاق الفيومي» وأنا أراه وهو يمر من أمام بيتنا–في سفح جبل اللويبدة المقابل لجبل عمان- المجاور لبيته الحديث الفخم وأراه كثيراً أمام (سينما الفيومي) وكنت أتمنى لو كان أبي صاحب هذه السينما!.

وكنت أنظر اليه بحسد وإعجاب وهو يمتطي ويرتجل سيارته الاميركية (ستودوبيكر49) التي واجهتها مثل خلفيتها في الشكل والتصميم, فلا تعرف اتجاهها. وكان من يمتلك سيارة خاصة في ذلك الوقت–خمسينيات القرن الماضي- فقد كان يُعتبر (لورداً) ويُنظر إليه بمهابة وإكبار!.

دفتر بطاقات

وكان صاحب السينما حين يتنقل هنا وهناك يحمل في جيبه دفتر بطاقات دعوة مزدوجة كدفتر الشيكات, ويوزعها كهدايا على رؤساء المصالح الرسمية والخاصة, أثناء زيارته لهم لإنجاز معاملاته, وينصحهم بضرورة مشاهدة الفيلم وروعته, فيتقبلون دعوته بالرضا والسرور والشكر والثناء!.

تذكرة سينما!

وقد علمت في ذلك الزمن أن أحد المسؤولين جاء الى بيته (يتنطط) فرحاً وهو يحمل ورقة بيده.. وظنت زوجته انه قد ربح (البريمو) في اليانصيب الخيري الاردني، ولكنه بعد ان (حزَّرها وفزَّرها) وشوَّقها أفصح لها مضمون هذه الورقة.. وإنها دعوة من صاحب السينما شخصياً، وأنَّ هذه الدعوات لا تُعطى إلا الى الشخصيات المهمة مثله!.

وقد ابتهجت الزوجة وهيأت نفسها لتلبية الدعوة والظهور بأجمل ما عندها من ملابس وحُلي, ورافقت زوجها بين مراقبة المحتشدين أمام دار السينما, والجالسين في اللوج الذي غصَّ بالعائلات التي سبقتهم, والتي ترمق كل من يدخل وحتى بعد ان يجلس في مكانه, وهي شامخة تتأبط ذراع زوجها وكأنها ملكة بريطانيا!.

نعيمة عاكف في عمَّان

ويقول د. نعناعة كذلك: لعل من طريف ما أتذكره عندما كنت حدثاً أنني كنت أمنِّي النفس بزيارة القاهرة ورؤية نجوم السينما شخصياً وخاصة اسماعيل ياسين وغيره, وهل هم كذلك مثل ما نراهم على الشاشة!!.

وفي نفس هذه الفترة كنت معجباً جداً بنجمة الاستعراض نعيمة عاكف ومعبودة الجماهير كما كانوا يطلقون عليها!.

ولم يكن ليفوتني فيلم إلاّ وأشاهده وربما لعدة مرات, وقد نذرت إذا رأيت نعيمة عاكف شخصياً لأوزع على الفقراء دينارا أردنيا واحدا, وهو مبلغ كبير لا يمكن تجميعه في شهر لشخص في مثل سني ومصروفه المحدود!.

ولعل الأقدار أرادت أن تلعب دورها وتداعبني، فلم يمض طويل وقت وبينما كنت أقف امام الباب (الاوكورديون) الحديدي الشرقي المغلق لسينما الفيومي... واذا بي وجهاً لوجه أمام نعيمة عاكف وهي تنزل درج الطابق الثاني... فصعقت لهول المفاجأة وهربت من أمامها... دون ان ألتفت إليها مهرولاً الى بيتي وأنا أنتفض والعرق يتصبب مني وفي غاية الذهول والاضطراب!.

وقد علمت فيما بعد ان نعيمة عاكف حضرت الى عمان مع زوجها المخرج حسين فوزي لحضور حفلات فيلمها واسمه (عزيزة) شخصياً وهو الفيلم الذي جمعها مع الفنان عماد حمدي، وكان يعرض في آنٍ واحد في كل من القاهرة وبيروت وعمان وعواصم عربية أخرى!.

حفلات لتعويض الخسائر!

وكان لتعويض الخسائر التي تتكبدها دور السينما جراء فشل أو سقوط بعض الأفلام أن تلجأ دور السينما الى إعادة عرض الافلام الشهيرة التي سبق عرضها في حفلات صباحية بأجور مخفضة لمجموعات من طلبة المدارس, كالأفلام التاريخية والدينية مثل: ظهور الإسلام, والوعد الحق،والرسالة وغيرها كثير!.

وأذكر أن فيلم (جان دارك) لانجريد برجمان التي أحرِقت في سبيل وطنها, اجتذب كافة المدارس بطلبتها ومعلميها لحضورهذا الفيلم ومشاهدته في حفلات صباحية خاصة!.

وسائل دعاية

ويتابع نعناعة سرد ذكرياته السنمائية: ولقد حدثني إلياس محمد رزق وقد عمل في عدد من دور السينما الراقية في عمان بوظائف مختلفة منها: مرشد (كونترول) ثم موظف شباك (تيرسو) ثم الى (بريمو) ثم الى موظف استقبال فإلى مدير، عن الدعايات والأساليب المشروعة وغير المشروعة التي كانت تمارس لترويج الفيلم وجذب المشاهدين.

وقد كنت ألمس هذه الممارسات بنفسي لاقترابي من أحداثها ومعرفة أسرارها.. فقد كانت معظم دور السينما تحتفظ بلافتات تستعمل قبل عرض الافلام من باب الترويج لها.

فعلى سبيل المثال من تلك العبارات التي كانت تُكتب على اللافتات الضخمة ما يلي:

أضخم انتاج سينمائي ظهر حتى الآن... فيلم أروع من الخيال... بِناءً على إلحاح الجماهير... الفيلم الاستعراضي الكبير... رأساً من ستوديوهات مصر وهوليود... فيلم يجب ان يشاهده كل فرد... وغير ذلك.

ممنوع الدخول للقلوب الضعيفة

ومن اللافتات السينمائية عن الأفلام التي كانت تعلق في شوارع عمان فقد استوقفتني عبارة:(ممنوع الدخول لذوي القلوب الضعيفة)!!!.

وعلى سبيل الدعابة يقول د. نعناعة: هذا وقد كان الأحرى بإدارة السينما ان لا تكتفي بهذا التحذير فقط.. بل (تقاول) طبيب قلب طيلة عرض الفيلم, لفحص الرواد قبل دخولهم, حتى لا تتسبب (بموت) بعض روادها الأعزاء!!!. وقد قُدِّر لي كذلك مشاهدة فيلم من هذه الأفلام (المرعبة) فوجدته لا يفرق كثيراً عن لفظة (بخ) التي كنا (ننقز) بها بعضنا البعض.

ومن الأمثلة الأخرى كانت هناك لافتات سينمائية تقول: (ممنوع الدخول لمن هم دون 16سنة) وهذه دعاية مثيرة للفيلم, وجرة رِجل لمن يبحثون عن الاثارة ويتعقبونها.

نيكست اتركشن

وكنت ذات مرة أقف عند مدخل سينما الفيومي لأتفرج على (أفيشات)الأفلام أي إعلاناتها الكبيرة الملونة ؛ فمرَّ من خلفي صاحب السينما, فسألته متى سيُعرض هذا الفيلم (عمو)؟!.

فرد عليَّ بابتسامة: (نيكست اتركشن) أي العرض القادم.. فتشجعت وسألته ثانية وهذا الفيلم الآخر؟! فأجابني: (شورتلي.. فري شورتلي) أي قريباً، قريباً جداً.. وسمعته قبل ان أنصرف يقول لأحد موظفي السينما: حفلات (النايت شو) بدي يكون لبسكون- ملابسكم- فيها مرتب.. مفهوم!!!.. آه أي إنه فعلاً (مثقف) يجيد الإنجليزية!!!.

ولافتة أخرى جاء فيها: (نفدت التذاكر والادارة غير مسؤولة عن بيع التذاكر خارج الشباك), وكان يكثر استعمالها في أيام الأعياد, حيث يتهافت الرواد على السينما, وكذلك عند عرض الأفلام القوية.

وبترتيب مسبق كانت الإدارة تعطي كميات من التذاكر المرقمة سلفاً لأحد موظفي السينما لتباع خارج الشباك في السوق السوداء بأكثر من سعرها المقرر, وخاصة للذين تكبدوا الحضور.

واذا كان الاقبال شديداً وبخاصة في الأعياد فإنها تجلب مقاعد إضافية توضع في الممرات بسعر مماثل للتذكرة العادية.

واذا (بلش) الفيلم حتى وان لم يبق منه إلا جزء بسيط فإن موظف الباب يلتفت يميناً وشمالاً؛ ثم يسمح لبعض الصبية بالدخول بما يتوفر لديهم من نقود؛ شريطة ان يشاهدوا بقية الفيلم على الواقف.

ساعتان من الضحك

وكانت هناك لافتة فيها العبارة التالية: (ساعتان من الضحك المتواصل).. وقد جاءني أحد الأصدقاء وهو يقهقه وغير قادر على متابعة الكلام لاستمراره في القهقهة لينصحني بمشاهدة فيلم (مضحك جداً) وأنه فيلم بموِّت من الضحك.. بل بفطس من الضحك.. فأبلغته مازحاً ومتصنعاً الخوف: لا أريد أن أموت أو أفطس من الضحك لأنني أحب الحياة.

** ملاحظة: ظلت سينما الفيومي تُعرف بهذا الاسم لمدة عشر سنوات, ثم تغير اسمها الى سينما الخيام, وتغيرت واجهة السينما الأمامية, عندما تم بيعها لِ » محمود أبو قورة».