يشرع مجلس النواب، اليوم، في مناقشة بيان حكومة الدكتور بشر الخصاونة، وعلى أساس هذه النقاشات يصوّت النواب، وفقاً لقناعاتهم، إما بمنح الثقة أو حجبها أو الامتناع عن التصويت.

والمسألة، والحال هذه، ليست في آلية التصويت الدستورية والنظامية، لأنها محددة وغير ملتبسة، وإنما في مضمون الخطاب النيابي؛ أساسه وضوابطه ومعاييره، وكيفية تناوله القضايا التي حواها بيان الحكومة.

في مناسبات مشابهة سابقة اعتاد الرأي العام والحكومات على أسلوب صاخب في تناول بيانات الحكومات، وعلى وتيرة نقد عالية، ومطالب خدمية تحتاج موازنات فلكية، لا يمكن واقعيا تلبيتها.

آنذاك، كانت جلّ المناقشات تنحو إلى تسجيل مواقف إعلامية تستهدف مخاطبة القاعدة الناخبة، دون النظر إلى النتائج، وما يمكن أن تحققه ملاحظاتهم من فائدة للصالح العام.

هذه المرة، التوقعات، أو هكذا يفترض، أن يأتي النواب بخطاب جديد، ومضمون نقاش مختلف عن المعتاد، يتأسس على طرح منطقي وواقعي، وفيه يتم تناول القضايا بموضوعية ومهنية.

أيّ أن يكون أصل النقاشات منصبّاً على تقديم أفكار قابلة للتطبيق، ومقترحات عملية، تعين الحكومة على تجويد بيانها وخططها، وتثري أفكارها وتوجهاتها في تحقيق الأفضل لعموم الوطن.

ولا بد أن يتذكر الطرفان، الحكومة والنواب، أنهما جاءا في ظروف استثنائية فرضتها جائحة كورونا، التي وضعت الوطن كله أمام تحديات وصعاب اقتصادية غير مسبوقة، وتجاوزها لا يكون إلاّ بتعاونهما وتكاملهما والاتفاق على هدف واحد هو تحقيق المصالح العامة.

الأساس في ذلك إدراك الواقع الصعب وفهم تعقيداته وطبيعة تداعياته، وهو إن تحقَّق سيؤدي، حتما، إلى بروز لغة خطاب نيابي هادىء وبسوية مضمون عالية، تتجاوز مسألة النجومية وضرورتها النيابية، إلى الاشتباك مع المشاكل، والبحث عن حلول لها.

الناس، وببساطة، يريدون حلولاً ومعالجات وازنة لأوجاعهم، وأن يروا فرقاً في ما يواجههم من معيشة سِمَتُها التراجع، ومن يفتح لهم أفقاً ويمنحهم أملاً بتجاوز أزماتهم وخوفهم من المستقبل.

هذه مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الحكومة والنواب، وتستدعي جعل مناقشات الثقة فرصة لتوجيه رسائل طمأنة لعموم الناس أنّ قضاياهم وهمومهم محل اهتمام السلطتين، وأنهما تسعيان إلى شراكة تفضي إلى معالجات جدية وعميقة للمشاكل والاختلالات.

ليس ذلك فقط، بل وأيضاً، الانتباه إلى أن التعاون والتكامل بين السلطتين يصبح من الضرورات أمام تحولات وتغيرات في الإقليم والمحيط لها تبعاتها وانعكاساتها على الأردن، وتمس مصالحه مسّاً مباشراً، وسبيل التعامل معها يتطلب وحدة الموقف والتناغم وتماسك الداخل.

فتنسيق المواقف والسياسات والتوجهات، بعيدا عن المناكفات وتسجيل المواقف، حاجة وضرورة وطنية يشترك فيها الجميع من سلطات دستورية ومجتمع لضمان مصالح الدولة، التي هي في المحصلة مجموع مصالح مكوناتها.

نعوِّل على الوعي والإدراك، وعلى الفهم والتفهم في أن الزمن الراهن واستحقاقاته، يحملان في ثناياهما صعوبات وتعقيدات، داخلية وخارجية، وتكمن فيهما مخاطر، لا بد أن تكون حاضرة في خطاب نيابي يضع في حسابه النفاذ بالوطن والارتقاء به إلى رحاب أفضل.