«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الحادية والعشرون..

كولاج ثيربي

صديقتي العزيزة دلال

رسالتي لك اليوم هي رسالة مليئة بالشغف والمعرفة، وكنا تعودنا دائما أن نناقش قضايا مشتركة تهمنا وتهم مجتمعنا وأيضا نتحدث عن الغربة بمفهومها الكبير، إلا أنني توقفت كثيرا أمام لوحات الكولاج التي تبدعينها وأتابعها بشغف وتطلع.

وهناك سر وراء هذه اللوحات، فأنا قرأت عن هذا الفن من قبل وسمعت عنه لكن رؤيتي لما تقومين به في لوحاتك جعلني أشعر أني لم أكن أعرف شيئا عن الكولاج.

تفاصيل كثيرة ومثيرة تجعل من الصعب المرور على اللوحة دون التوقف طويلا أمام كل جزء منها، وكل جزء فيها يحمل كلاما كثيرا قد تعجز الأقلام عن كتابته وتصويره ببساطة في هذا العمل الإبداعي المتميز.

وأتعجب كيف تقومين بتجميع هذه المكونات خاصة الدقيقة وتصنعين منها لوحة، أضغط على اللوحة وأظل أكبر فيها، وكلما تكبر كلما تظهر تفاصيل جديدة وكلما زادت دهشتي.

أعرف تماما أن هناك أنواعا وأشكالا كثيرة من الفنون، وأؤمن أن إبداع لوحة من العدم هو عمل فني رائع، ولكنه يرجع بالكامل لرؤية الفنان وشخصيته وطبيعية إبداعه وغيرها، أما إبداع لوحة من مكونات موجودة بالفعل وتخرج بهذا الشكل المتميز هذا هو الجديد بالنسبة لي.

ولا أعرف لماذا أقارن بين فن الكولاج وفن الرسم، قد يكون لأن شكل العمل النهائي فيهما متشابه إلى حد كبير، ولكني أظن أن الكولاج فن يحتاج لكثير من التأمل قبل العمل وبعده، كما أنه يتعمق داخل النفس سواء للفنان أو للمتلقي، وأكاد أجزم بأني أرى شخصيتك من خلال لوحاتك وأفهم كثيرا اهتمامك بكثير من قضايا بحد ذاتها وأنا أشاهد اللوحات.

فاهتمامك بقضايا المهمشين واللاجئين وقضايا المرأة وغيرها من القضايا الاجتماعية التي سخرت حياتك من أجلها أجدها داخل هذه اللوحات بقوة، وأعرف أنها قضايا تشغل حيزا كبيرا من تفكيرك، لكنها أيضا شغلت مساحة أكبر في لوحاتك.

ورغم أن لوحاتك كلها غير مباشرة تماما، إلا أن هناك لوحات رأيت بها المهاجرين غير الشرعيين وهم يعبرون البحر أملا في الوصول للشاطئ الآخر، كما رأيت المرأة المعنفة وهي تعاني، وقضايا أخرى كثيرة كلها رأيتها في لوحاتك.

صديقتي.. أحتاج أن أتعرف منك على سر هذا الكولاج، وهذا الفن الجميل غير المنتشر، وعذرا إن قلت لك أن البعض يضعه في خانة "قص ولصق" وهو وصف وإن كان صحيحا، إلا أنه يقلل من شأنه كثيرا برأيي.

وأرى أنك لابد أن تعيدي لهذا الفن هيبته من خلال لوحاتك ومعارضك، وأن تنشري ذلك على أوسع نطاق في العالم العربي، وأظن –وصححي لي إن كنت مخطئا- أن هذا الفن يساعد كثيرا في التخلص من المشاكل النفسية ويخرج الإنسان من حالته النفسية، ولا يحتاج إلى المهارة والموهبة التي يحتاجها الرسم العادي، فما هي المهارات التي يحتاجها الإنسان لكي يمارس هذا الفن؟ وهل يمكن لأي فرد أن يخرج لوحات كولاج وتكون جميلة؟ وهل يمكن أن يعيد الكولاج للمغترب القدرة على لملمة أجزائه المتناثرة نفسيا ليعود كتلة واحدة قادرة على التأقلم مع حياته الجديدة في الغربة؟

أسئلة كثيرة تداعت إلى ذهني وأنا أشاهد لوحاتك.. وسأنتظر إجاباتك بكل شغف.

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك حسام

طمنى عنك في أجواء الثلوج؟ والتي أعتقد أنها كانت السبب في دفعك باتجاه لوحاتي للتأمل! بحثا عن ملاذ من مواجهة العواصف الثلجية، أراك الآن تضحك، تومض عيونك المليئة بالأمل ببعض الندى المالح، تمسح نظارتك، وتغلق نوافذ السقيع!.

رسالتك المكتوبة بتأثير العاصفة الثلجية، تفتح صناديقي الشخصية، وتنشر الحكاية على حبال المعاني تجاوبا مع تهديدك المجازي الدائم: (حخلي سيرتك على كل لسان) أضحك وأتجاوب مع التهديد المحبب، ويسعدني اهتمامك بعالمي الخاص جدا في فن الكولاج، والذي يعيدني إلى المنابت، لأطلق سراحي إلى ماوراء الحكاية، ينفرط عقد تجاربي صعودا كحبات الرمل!.

هكذا كانت البداية حسام، ألوان تحيلني إلى نشوة اللعب، وطفولة تعشق التفاصيل وتميل إلى العبث! هكذا أغوتني التجربة، وبدأت أخبئ أسراري في عجينة اللون، أمزق بياض الرؤية وأدخل إثارة التجربة (غواية شغوف، لا تخلف وراءها إلا الدهشة).

تقودني براءة الخامة، إلى منابع الأسرار، هناك في محراب الوجد والكشف

متصوفة أنا، أتلون بخلاصة التجريد، ألمح ولا أصرّح، وأكتفي بالتأويل والتشكيل

طفلة عابثة أصادق التجريب، وأغزل طلاسم المعارف الشفوية بخيطان الروح

هكذا حسام كانت المعرفة، إيقاعي اليومي، لاكتشاف ذاتي والعالم، من خلال الفنون (رغبة في ترميم شروخ الحياة).

ألطخ بياض الورق بشوقي المتعب، وروحي القلقة، لتهجرني اللوحات من الداخل إلى الخارج، تجلس محايدة تتأملني وأنا أستعيد اللحظات الهاربة، وأصعد إلى الأسرار المعلقة كأجراس تهتز لتوقظ صباح الروح.

الأصوات القادمة من زمن ما! والنور الذي أبحث عنه، والشوق الموجع، كان المحرك لإثراء أسئلتي وتهدئة القلق الفكري والإبداعي في روحي الحساسة الصغيرة، والمنفتحة على الفنون كشبكة غير مرئية لإنتاج الفكر.

كون سري ورسائل لا مرئية وأصواتاً متعددة، مبثوثة بشكل عفوي في لوحات يسكنها الألم!ـ

حيث يتضاعف «الألم» والتعبير الإبداعي لدى المسكونين بالسؤال والقلق، وتضج اللوحات بالأسئلة والأسرار توقا إلى المعرفة.

أتعلم حسام، لوحة قلقة تسكنني، فأعيد رسمها كل يوم بطريقة جديدة كولاج جديد، كمشهد مستحيل منقوش في روحي، أقف فيه عند حافة المعنى، أمشط سواحله حتى النعاس، ما بوسعه أن يعيد تشكيل الأشياء كل يوم في مشهد جديد.

كأن الكولاج هنا، هو الماضي والحاضر، وفراشات المستقبل، تتعمد بالشذى والضوء والطين! تخيط الأزمنة كشراع يلوح، ويخفق كقلبي، كعصفوري المذبوح، فلا هو يموت! ولا هو يسلم أجنحته للسفر، هكذا يفتح الكولاج، دوريّ المهجورة، لتنهمر الحكايا قطرة، قطرات لم يضنها الشيب شاردة في المدى والمعاني والريح.

هذا الانفتاح على العالم من خلال الفنون، هو الإنفتاح على ذاتي أولا، بحثا عن صوت خاص ليقولني، وأدوات تعبيرية جديدة تهدهد حزني كي ينام، هذا الترحال بين الفنون، يجعلني أتنقل بين المقامات والنهاوند ينتحب في عروقي.

في المرفق حسام آخر إنتاجي من عالمي الخاص جدا، فن الكولاج، اتمنى أن تجد فيها بعض الأجوبة عن تساؤلاتك؟

فاتني أن أقول، كل عام وانت بخير

د. دلال مقاري باوش