السلطتان التنفيذية والتشريعية تقفان مطلع العام الجديد بإزاء محطتين مهمتين: مناقشات الثقة، ومن ثم إقرار موازنة الدولة للسنة المالية 2021.

المحطتان، لا بد وأن تكونا كاشفتين لطبيعة علاقة السلطتين ببعضهما البعض، وإدراك كل منهما لواقع الدولة وظروف مجابهة أزمة كورونا، وتداعياتها الاقتصادية، وانعكاسات ذلك الاجتماعية والسياسية.

وهاتان المحطتان ضروريتان وحيويتان، في آن، وعبرهما يمكن فهم كيفية تحديد أجندة كل منهما حيال الملفات الرئسية، مع الأخذ بالاعتبار أن السلطتين جديدتان، وتسعيان للعمل على بلورة تصوراتهما الخاصة لكل أمر.

عموما، إلى الآن، لا أحد يعرف بدقة نمط تفكير النواب، واتجاهاتهم، وأسلوب عملهم، وطريقة إدارتهم لدور المجلس الرقابي والتشريعي، بينما الحكومة، ومنذ البداية، تؤكد أنها حكومة مهمات لا شعبيات.

لذلك سيكون اختبار الثقة مؤشراً مهماً، واختبار الموازنة مفصلاً حاسماً في إجابة تساؤلات عديدة حول دور السلطات وطبيعة العلاقات بينها، وحدودها، هل ستكون تعاونية تكاملية؟ أم تضادية تصادمية؟.

وقبل أن نقف على هذين الاختبارين، لا بد وأن ننظر فيما يجب أن تكون عليه العلاقة وأسباب ذلك، ومستوى الكيمياء الواجب إيجادها بينهما، والبحث في القواسم المشتركة لتعظيمها وتقويتها.

أي المطلوب هو استدعاء كل أسباب التكامل، حتى لو كان ذلك تحت عنوان «تكامل الضرورة»، وهي ضرورة تفرضها تحديات وصعوبات قائمة أصلاً، وجاءت الجائحة لتفاقِمها، وتزيدها تعقيداً.

أكان ذلك اقتصادياً، حيث يواجه هذا الشق أزمات ممتدة ومتراكمة، واليوم هو يعيش أصعب مراحله.. أو صحياً، حيث توجه الدولة جزءاً من إنفاقها لتأمين العناية لمصابي كورونا.

بالنتيجة، زاد ذلك الواقع وظروفه من نسب الفقر ومعدلات البطالة، لأن تباطؤ عجلة الاقتصاد يؤثر سلبا على التدفقات النقدية للخزينة التي يعاد ضخها على شكل نفقات جارية ورأسمالية، وتراجع هذه التدفقات يؤثر حكماً على كل أشكال الإنفاق.

إن دولة مثل الأردن تعتمد في مواردها الأساسية على عوائد حركة الاقتصاد الداخلي، وتواجه ما تواجهه الآن، ستجد نفسها في أزمة مالية لا سبيل لإنكارها أو التهوين منها، ولهذا تأثيراته الحتمية اجتماعياً وسياسياً.

وعليه، ما العمل؟، وهل نحتاج شراكة حكومية نيابية فاعلة وفعالة؟

الإجابة، هنا، تتوقف على مدى إحساس الطرفين بصعوبة الواقع، وحجم تعقيداته ومخاطره، وما إذا كان الصالح العام هو المهيمن على تفكيرهما، والأصل أن نظن ذلك، وأنَّ هدفهما النفاذ بالوطن من أزماته والوصول به إلى بر الأمان.

على أساس هذا الظن تصبح الشراكة واجبة ومستحقة؛ لا سلطة تهيمن على الأخرى، ولا تناصبها العداء (...) فالناس لن تقبل ذلك أبدا، بل تريد تشاركية في البحث عن حلول للمشاكل والتحديات الاقتصادية، ونقاشاً موضوعياً ومنطقياً يفيد الوطن وناسَه.

والتشاركية ضرورة كذلك لمواجهة صعوبات سياسية تفرضها تحولات إقليمية تضعنا في زاوية معقدة، نفاذنا منها يرتهن بوحدة الموقف الداخلي وتماسكه لحماية المصالح الوطنية.

ببساطة، في الظروف الاستثنائية تحتاج أن ترى علاقة استثنائية ووطنية بامتياز، تتجاوز الخاص، وتركز على العام.. فالوطن ينتظر أن يرى سلطاته تتكامل في أدوارها..