لما كان الإنسان خليفة الله في الأرض كلفه الله تبارك وتعالى بعمارتها وببنائها كما جاء ذلك في قول الله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}[هود: 61]،وحذره من إفسادها بعد أن خلقها الله تعالى له صالحه كما في قول الله تبارك وتعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}[سورة الأعراف:56]، وهذا الإفساد الذي استوقف الملائكة يوم أن أعلمهم الله سبحانه وتعالى بأنه سيستخلف الإنسان في الأرض،{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30].

فالأصل الذي أراده الله سبحانه وتعالى للأرض أن تكون عليه هو عمارتها الإعمار الصالح بمفهومهالشامل الذي يشمل العمارة المادية النافعة وكل ما هو معروف وطيب وضروري مما يحتاجه الإنسان لصلاح حياته من عمران ومسكن ومأكل ومشرب وملبس وعناية، والعمارة المعنوية بالعقيدة الصحيحة والقيموالأحكام الشرعية وما ينعكس منها من عبادات وطاعات ونظام وتصرفات وأقوال ومعاملات اجتماعية وعقود زواج وعقود مالية منضبطة بضوابط الأحكام الشرعية وعموم الأخلاق والإحسانالتي تضبط وتنظم علاقات وتعاملات الناس فيما بينهم بما يدفع ويمنع التصادم والنزاع.

وعلى النقيض من هذا حرم الإسلام الفساد والإفساد في الأرض بمفهومه الشامل المادي والمعنوي نحو سفك الدماء والإتلاف والإيذاء والظلم والفواحش وسائر المنكرات، يقول الله سبحانه وتعالى مستنكراً فعل ذلك: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ على مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [سورة البقرة:204-205].والفاسد هو أعوج المقال، سيئ الفعال، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة(والله لا يحب الفساد)أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك[تفسير ابن كثير].

ومن أجل تمكين الإنسان من هذه المهمة فقد جاءت أحكام الشريعة الإسلامية منسجمة في مجموعة من الأوامر والنواهي التي تضمن تحقيق هذه المهمة، ورتب على مخالفة هذه التشريعات عقوبات مادية ومعنوية في الدنيا والآخرة، وجعل الكون كله مسخر للإنسان، وأمره بالجد والاجتهاد وبذل كل ما بوسعه من الفكر والعمل قال الله تبارك وتعالى: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَوَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [ سورة التوبة:105]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة "[ رواه البخاري]، وهذه العمارة المطلوبة لا تتوقف ولا تنتهي عند زمن ولا عند حدث بل هي مستمرة إلى نهاية الدنيا وزوالها كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة- أي: نخلة صغيرة-فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" [أخرجه الإمام أحمد ].

فقيم الإسلام تحث على العمل والبناء والإيجابية والمشاركة، وتذم الكسل والضعف والانعزالية والاتكال على الآخرين، قال الله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة سبأ: 11]، وقد وسع الرسول صلى الله عليه وسلم دائرة العمل الصالح الذي يعتبر في سبيل الله تعالى كما في الحديث الذي رواه كعب بن عجرة أنّه قال: (مر على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ فرأى أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من جلَدِه ونشاطِه فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ)[الطبراني. صحيح الترغيب:1692].

فعمارة الأرض في الإسلام تتمثل بجملة قيم الحضارة في الإسلام كلها بأبعادها المتنوعة، ابتداءً من بناء الإنسان عقلاً وجسداً وروحاً، والعمارة في المجال الإداري والزراعي والصناعي والتجاري والبيئي والصحي وغيرها من المجالات الضرورية والحاجيه والتحسينية التي يحتاجها الإنسان في ضوء العمارة المعنوية المتمثلة بالأخلاق والعلم؛ لتكون عمارة إصلاح محمود لا عمارة إفساد مذموم كما فعلت بعض الأمم التي ركزت على العمارة المادية وأهملت عمارة الأرض بالمعتقد والأخلاق فاستحقت الذم من الله تعالى على الانفراد بهذا النوع من العمارة ، قال تعالى:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9].

Dr.fadikareem@yahoo.com