«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة العشرون..

هل تعود الأحضان؟

صديقتي العزيزة دلال

أكتب لك رسالتي هذه ونحن على مشارف الأسبوع الأخير من كانون أول 2020، وفي الحقيقة هذه السنة كانت سنة غريبة وصعبة على الجميع سواء أشخاص أو مجموعات أو حتى حكومات.

استطاعت هذه السنة تغيير ملامح العالم، انهارت العلاقات الإنسانية مثلما انهارت الحالة الاقتصادية، وتمكن فيروس لعين لا يرى بالعين المجردة أن يتحكم في العالم، وحتى رسائلنا تأثرت بكورونا فهذه هي الرسالة الثالثة وأتمنى أن تكون الأخيرة حول كورونا، فهي تفرض نفسها غصب عنا في أن تكون مادة أساسية لحواراتنا.

وإذا تأملنا سنة 2020 فسنجد أنها استطاعت خلق فلسفة جديدة وغريبة علينا، وهي "أن الحب أصبح يقاس بالبعد"، فمع الأسف كلما زادت المحبة زاد البعد بين الصديق وصديقه أو الحبيب وحبيبته.

فهل تعود الأحضان والقبلات في 2021؟ هل يمكن أن أستقبل صديقا في المطار وأحضنه دون أن يغضب؟ حتى السلام بالأيدي أوقفناه في 2020، أصبحنا نشير لبعضنا البعض من بعيد، وعندما نتقابل مع الأصدقاء نكتفي بضحكة ترحيب وأيدينا في جيوبنا خوفا من قيامها بالسلام دون رغبة منا بحكم العادة.

أتمنى أن يتمكن المصل الذي تم اختراعه من ضم كل هذه الجراح، وأن نعود كما كنا وأن ننزع الكمامات عن وجوهنا، هذه الكمامات القميئة التي تشعرني أني داخل سجن انفرادي اتنقل به في كل مكان، فهل يفعل المصل كل هذا؟ أرجو ذلك، ويكفي فراق كثير من الأحباب الذين رحلوا في 2020، حتى أني أصبحت أخشى الاطلاع على الفيس بوك بعد أن أصبح أشبه بصفحة الوفيات.

ولكن دعيني أخبرك أنه على جانب آخر، يجب أن نعترف أن هناك إيجابيات كثيرة في 2020 أهمها على الإطلاق ظهور المعدن الأصيل لكل شخص حولنا، استطعنا معرفة الصديق الحقيقي من المزيف، ولا أنكر أن هناك انجازات شخصية من كتابات وعلاقات جديدة، ولا شك أننا تعلمنا دروسا مهمة في الحياة خلال 2020، وفي النهاية لا يوجد خير دائم ولا شر مطلق.

والطريف أني قرأت تقريرا علميا صادرا عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية يؤكد أن سنة 2020 هي السنة الأكثر دفئا بين أكثر ثلاثة أعوام دفئا في التاريخ، وأن 2020 تأتي بعد 2016 وقبل 2019 في الدفء، تخيلي بعد كل ما حدث تصبح السنة الأكثر دفئا! ويبدو أن جلوس الناس في منازلهم زاد من نسبة الدفء.

سنحكي عن 2020 كثيرا في السنوات القادمة إن كان لنا عمر، وسنكتشف وقتها أنها كانت سنة عادية لأنها مرت، وبالتأكيد ستكون السنوات القادمة أفضل وأجمل بإذن الله.. فدعينا نتفاءل.

ولكن يا ترى ماذا فعلت 2020 معك؟ وما تأثيرها عليك؟

في انتظار ردك

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك كابتن حسام

ماذا أحكي لك؟

الرسالة 20! في نهاية سنة 2020، هل هي مصادفة؟

أكتب لك حسام، في مرحلة نتهيأ فيها لعبور محنة كونية شاملة، جعلتنا نتنفس برئتي فراشة!.

فيروسة بغيضة! بريئة! ومهمة أيضا، قادتنا لنستعيد قيمة الأرض، وكيفية التصالح مع الكون، وأنفسنا، وحياتنا لأننا امتداد لهذا الكون.

هكذا حسام ننتمي إلى الحياة، ونمجد الإنسانية والمحبة، والنقاء، تاركين وراءنا فخ كورونا، هذا المأزق الخطير والخفي، الذي التهم منا متعة الحياة بشرطها الأساسي (الحرية).

هل ترى معي صديقي العزيز بأن هذه الأزمة اليوم قد جعلتنا نجيد الإصغاء إلى صوت الله، صوت الكون، صوت الطبيعة وصوتنا الداخلي، في مصالحة مع الذات والعالم، لنعود مجددا إلى الإلهام الذي يواجه كل هذا التحدي الكوني؟

هذا التوازن بين العالم المادي والعالم الروحي، استخلاص مستحق بعد قساوة التجربة.

كأن الصدمات تجعلنا نغوص أكثر في تلافيف دواخلنا وكأنها واسطة تعيد الإنسان إلى نفسه وتحفز فوهة الوقت في وجهه، استنارة مضافة للبحث عن حقيقة الروح والحياة.

قريبا سينتهي كل شيء! ألسنا محكومين بالأمل؟ ننتظر نهاية الكابوس، لننفرد بالسؤال عن أسرار الحياة ومعنى الحياة، بقلب مفتوح، فلا أحد يصيب هدفه وهو مغمض العينين.

شوقنا الآن إلى الحياة يفيض كبئر فتحت سدادته، فينساب بمحتواه على سطوح الروح حميمي الشوق، مليء بالتأملات، في قيمة الحياة والكون.

كأننا نتهيأ للمستقبل بإطلاق أشرعة الأمل والعمل واليقين.

أتساءل حسام، هل أدركنا حقا دروس هذه المرحلة والرسائل الكونية؟

إن كل شيء مرهون بالطريقة التي نحيا بها، وبإدراكنا للأشياء من حولنا، هكذا يرتل صوتي الداخلي، وروحي المطمئنة.

صوفية أنا، أنصت إلى نداء الكون: (أتبع نداء قلبك، فالنور الذي تسعى إليه ما هو إلا نورك).

أريد أن أروي ظمأي إلى النور، باتصالي مع الكون، علّ هذا النور يقودني إلى الاستنارة، ويغسل روحي، ويمهد طريق المستقبل، (والمستقبل يأتي لمن يسعى إليه).

محكومون بالأمل يا صديقي العزيز

كل عام وأنت منارة أمل حسام

بانتظارك

د. دلال مقاري باوش