خالد عزب

محمود درويش في المخيلة العربية هو شاعر المقاومة الفلسطينية، رمز يجري الان استدعاؤه للمقاومة، لذا كان صدور كتاب (محمود درويش.... المتن المجهول) والذي الفه الناقد سيد محمود وصدر عن دار المتوسط في ميلانو حدثا ثقافيا مهمة نجد صداه على صفحات التواصل الاجتماعي في الوطن العربي، الكتاب بناه المؤلف على نصوص ووثائق تنشر لاول مرة عن الفترة التي اقام فيها محمود درويش في مصر، وهي فترة شهدت فيها مصر الانتقال من رؤية جمال عبدالناصر للقضايا العربية إلى رؤية انور السادات للقضايا العربية، اذا محمود درويش هنا يعكس هذا الانتقال على حالة شاعر ومبدع فلسطيني احتضنته مصر في سياقين، الجديد في هذا الكتاب هو تقديم مجمل انتاج محمود درويش ليس فقط انتاجه الشعري، وانما ايضا المقالات التي كان يكتبها في مجال التحليل السياسي والتي كان ينشرها في صحيفة الاهرام، وفيها قدم تعليقات حول الشأن الفلسطيني، ثم محاولات لم الشمل الفلسطيني عقب انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة عام ١٩٧٢.

تتضمن المقالات تحليلات مبكرة حول الشخصية الاسرائيلية والادب العربي وظاهرة الخوف التي تأصلت بعدها. ويرى سيد محمود ان هذه المقالات ساعدت بعد ذلك على تنامي اتجاه في دراسات علم الاجتماع السياسي وعلم النفس السياسي في مصر، قامت على تحليل الشخصية الاسرائيلية.

تتيح مقالات محمود درويش الادبية في راي سيد محمود التعرف على مجمل تصوراته الفنية خلال تلك الفترة، وفيها طور فكرته الشهيرة عن ضرورة تفادي الحب القاتل، كما تظهر نفوره من اختزال تجربته في الشعر النضالي، وتبرز تصوراته عن سلبيات وايجابيات المهرجانات الشعرية، التي تنامت بغرض تاكيد الدور المقاوم للشعر، وانا ارى ان مشاركة محمود درويش في العديد من الانشطة الثقافية ساهمت في ابقاء حضور القضية الفلسطينية حية وحيوية، اذا هنا الشعر والثقافة بحضورهما احد اقوى ادوات المقاومة والبقاء.

كتاب سيد محمود يجعلنا نعود إلى قضية عرب ١٩٤٨ عرب الداخل وهم شريحة عربية مهمة صمدت على الارض العربية للمقاومة ومنهم اتي درويش، وهو ما شكل مخيلته وصموده، غسان كنفاني كما يذكر سيد محمود لخص مرحلة وجود محمود درويش في فلسطين المحتلة حين كتب مقالا عن قصيدة درويش (بطاقة هوية) حيث قال: ان محمود درويش يمثل علامة طليعية بين رفاق الشعراء العرب في الاراضي المحتلة، وقد وضعه شعره الحاد في حرب مع العدو، ثم وضع في السجن، ومن داخل ذلك السجن، كتب اجود شعره واكثره عنفا وتحديا.

غادر محمود درويش مصر في منتصف العام ١٩٧٢ لكن لم تنقطع علاقته بالقاهرة فقد كتب للاهرام عدة مرات كما نشر نصا مهما يمكن ادراجه في اطار ادب الحرب في مجلة الهلال في عدد توثيقي لانتصار حرب اكتوبر ١٩٧٣، كان نص الهلال عنوانه (ازرق ازرق) وكان نشر قصيدة مهمة عن عودة الاسير المصري في ١٩٧٢.

جاءت مغادرة محمد حسنين هيكل للاهرام في ١٩٧٤ الى اختفاء راعي محمود درويش في القاهرة، وهو ما كان مؤشراً له على تحولات السلطة في مصر. وظل يردد ان (القاهرة من اهم المحطات في حياتي).