«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة التاسعة عشرة..

الحياة وسط جنسيات متعددة

صديقتي العزيزة دلال

اكتشفت مؤخرا مزايا عديدة للعيش وسط مجتمع متنوع الجنسيات، فكم المعرفة والمعلومات التي تنتقل لي مباشرة أكثر بكثير من قراءة الكتاب، خاصة إن كانت عن دول عربية نعشقها ولكن ليس لدينا معلومات كاملة عنها، بل هناك مع الأسف معلومات مضللة تتسرب إلينا وتصبح حقائق مع الوقت دون أن نتأكد منها أو نسعى لمعرفة حقيقتها.

وأصبحت كتب التاريخ والجغرافيا قاصرة عن تقديم معلومات حقيقية وشرح حقيقي لكي نتعرف على جغرافية المنطقة العربية وتاريخها بشكل صحيح، إضافة إلى أن الإعلام تم تفريغه من مضمونه وبعد بعدا كبيرا عن دوره في تقديم المعلومة والحقائق، لكي يتفرغ إلى دور الترفيه والتهريج.

وأتذكر حوارا بين مذيع شهير لكرة القدم وأحد اللاعبين الموريتانيين أثناء دورة أفريقية من دورات كرة القدم الشهيرة، وكان المذيع يتعجب من قدرة اللاعب على الحوار باللغة العربية بشكل سليم ورائع، وظل يسأله كيف أنه يجيد العربية، والآخر يتعجب من السؤال ويرد بأنه من الطبيعي أن يتحدث العربية، وفي النهاية اكتشف أن المذيع لا يعرف أن موريتانيا دولة عربية.

وكان حوارا هزليا بكل ما تعني الكلمة، ولم يكلف المذيع نفسه عدة دقائق قبل المباراة للبحث عن دولة موريتانيا ليعلم أنها دولة عربية واشتهرت ببلد المليون شاعر، ولديها مثقفون وشعراء وأدباء على أعلى مستوى من الكفاءة والتمكن، ولكن مع الأسف غابت المعلومات وأصبح الناس ضحية للجهل وتشويه الحقائق.

تذكرت كل هذا، أثناء دردشة مع صديقتي نوال الجزائرية هنا في مونتريال، وكنت كتبت عنها في رسالة سابقة عن طبيخها الرائع، وأني تعرفت من خلال طبيخها المتميز على أكلات جزائرية جميلة، وأثناء حوارنا قالت لي معلومة مهمة جدا وهي أن نسبة الجزائريين الناطقين بالفرنسية لا تتعدى 10 بالمائة، بينما 90 بالمئة يتمتعون بفصاحة في اللسان ليس لها مثيل، وكانت فعلا معلومة جديدة لي.

وكثيرون يظنون أن شعوب المغرب العربي لا يعرفون العربية، ويتحدثون الفرنسية أكثر من العربية، ويحدث كثيرا أن نقابل أخوة من الجزائر أو المغرب ونجد بالفعل أن الكلمات العربية قليلة جدا في حديثهم، والباقي فرنسي، وهؤلاء إما من يعيشون خارج بلادهم، أو يعيشون في المدن المنفتحة على أوروبا مثل وهران والجزائر العاصمة وعنابة بالجزائر.

ومن الطرائف التي حكتها لي نوال الجزائرية أن هناك تشابها كبيرا بين صعايدة مصر وأمازيغ جبال الأوراس بشرق الجزائر، ويتعجبون كثيرا عندما يشاهدون المسلسلات المصرية التي تتناول الصعايدة ويتابعونها بشغف لأنها تمثلهم بشكل كبير.

إن هناك تشابها كبيرا بين الشعوب العربية بعضها البعض، في العادات والتقاليد، والأهم أن اللغة واحدة، ومع ذلك لم نستطع التوحد مع الأسف، وغاب دور الثقافة والإعلام في التوجيه والإرشاد وحل محلهما مباريات كرة القدم التي دائما تحاط بجمهور من المتعصبين في كل جانب.

ولا أنسى عندما استضفنا في مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية الأديب الجزائري والعالمي الكبير واسيني الأعرج، وهو من أهم أدباء الجزائر والعالم العربي، وكانت هذه الاستضافة أعقاب مباراة لكرة القدم بين مصر والجزائر شهدت أحداثا مؤسفة ليس مجال ذكرها الآن، ولكنها أججت لمشاعر سلبية كبيرة بين الشعبين المصري والجزائر.

وقتها حدث هجوم كبير علينا بمكتبة الإسكندرية لاستضافة أديب جزائري، وفي نفس الوقت جاءت رسائل كثيرة لواسيني الأعرج تهاجمه لأنه قبل الدعوة والذهاب إلى مصر.

وبعد انتهاء الندوة التي شهدت جمهورا كبيرا، صفق الجميع واستحسنوا الفكرة، لأن الثقافة هي الحل دائما وهي التي تقرب بين الشعوب وبعضها ولا تفرق، وهو ما أراهن عليه دائما.

وكم من معلومات مغلوطة عن دول عربية أصبحت فجأة حقائق نتناولها دون وعي، ويجب على المثقفين أن يكون لهم دور مهم تجاه تصحيح هذه المعلومات.

في انتظار رأيك وردك بكل شغف

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك كابتن حسام

تجوال جديد، وإبحار جديد، تقودني اليه أسئلتك وفكرك الإبداعي

في رسالتك استوقفتني جملة (الثقافة هي الحل) وقادتني باتجاه التأمل والبحث عن مغزى الثقافة وعلاقتها باللغة والكلمة والفنون!.

ثمة سحر يجوب الحياة، إنه سحر الإبداع، في شوارع وأزقة العالم الداخلية العميقة، هذا الثراء في أسئلة تحمل القلق الفكري والإبداعي، أسئلة الثقافة في بحثها الحلولي عن الآخر وفي رسمها أسرار العالم بروحانية مطلقة!.

فأن تكون رساما روحانيا للعالم، ذلك يعني أن تشتغل بعمق على ظاهرة اللون والخط والحركة والكتلة، وأن تبحث عن مفردات "متفردة" تسمح لك بالتعبير عن قضايا وجودية.

وهذا ما ينطبق أيضا على فن الكتابة، لأنها تمتلك القدرة على التحول، فالكلمة هنا هي مرآة الوجود الثمينة، التي تجعل من ذكرياتنا الفردية الحسية، خبرة نموذجية للفرد تتكثف في سطور، إلى حد اكتسابه صفة وصلاحية ما؟

كأن الكتابة حسام، هي حدقتان متوجهتان نحو الأعماق والداخل ،كتابة وكلمات قابلة للحياة، لأنها تنوب هنا عن الأرواح بتشكيلها النفسي، كلمات محملة بالمغزى الكلي، لكل ما هو إنساني (وهذا ما طرحته رسالتك) التقارب الإنساني من خلال معرفة الآخر، والمعرفة هنا هي (الحل) كما ورد بين السطور في رسالتك، ألسنا جميعا في حالة بحث عن مجاز قوي يوصلنا إلى المعرفة؟

في البدء كانت الكلمة، وكأن الكلمة هنا هي العالم كله، الوله مدفوعا بعاطفة عميقة دافئة لجعل العالم مرئيا وقابلا للتفسير، وكما تمتلك الألوان الطاقة الحسية والخواص الفيزيائية القابلة للقياس، كذلك هي الكلمات تمتلك هالة خاصة وطاقة فكرية واستعدادا روحيا لتشكيل أيقونات تحمل الطاقة والفكر والإحساس والقدرة على الخلق (التي تقربنا من الآخر).

لعبة حرة هو الإبداع في البحث عن المعرفة، البحث عن النور الذي يسكننا، فكلما إزدادت هذه اللعبة اقترابا من الجوهر، ارتعشت الكثافة المتوقدة للمصالحة بين الأنا والعالم.

شكرا حسام لرسالتك المسكونة بالأسئلة قادتني مجددا إلى التأمل.

هل فاتني أن أقول، بانتظارك

د. دلال مقاري باوش