يعتبر الإنسان من أعظم مخلوقات الله تعالى خلقاً ومكانة وتكريماً، وذلك بالنظر إلى العديد من الجوانب التي بينتها شريعة الإسلام، فهو الذي خلقه الله تبارك وتعالى في أحسن تقويم، وأحسن صورة وشكل؛ منتصب القامة، سويّ الأعضاء والجوارح، لا يتصور خلقاً وصورةً له أفضل من هذا الخلق وهذه الصورةكما جاء ذلك في قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) سورة التين:4.

وزيادةً على هذا الخلق المتقن فقد كرمه الله تعالى على سائر المخلوقات، فقال الله تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) سورة الإسراء:70.

ومن مظاهر تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان أنه أسجد له الملائكة تمثل ذلك بالسجود لأدم عليه السلام أبو الإنسان والإنسان الأول، كما قال الله تبارك وتعالى:( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) سورة الحجر:28-31.فكرمه بالعقل، والتمييز،والتكليف الشرعي بالأوامر والنواهي، والقدرة على الاختيار بين الخير والشر، والإيمان ونقيضه،قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)سورة الإنسان: 3،وقوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)سورة البلد: 10، يعني الطريقين: طريق الخير وطريق الشر. أي بيناهما له بما أرسلناه من الرسل؛ فمنهم مؤمن شاكر سائر على طريق الحق والخير، ومنهم منكر مكذب سائر على طريق الباطل والشر.

ومن مظاهر التكريم الإلهي للإنسان أن سخر له الكون كله بما فيه من السماوات وما فيها من الكواكب والنجوم والشمس والقمر ونزول الغيث من السماء، وكذلك سخر له الأرض وما فيها من الأنعام، وسائر البهائم، والدواب، والطيور، والزروع، والثمار، والنباتات، والبحار، والأنهار، كلها مسخرة للإنسان؛ لينتفع بها، ويستفيد منها، في أكله وشربه وقوام حياته، قال الله تبارك وتعالى:(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) سورة إبراهيم:32-34.

ومحور مكانة الإنسان: الاستخلاف في الأرض. فقد اختاره الله تعالى ليكون خليفة في الأرض، كما جاء ذلك في قول الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) سورة البقرة:30.وَالْمَعْنِيُّ بِالْخَلِيفَةِ هُنَا-فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ-آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي إِمْضَاءِ أَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ إِلَى الْأَرْضِ (تفسير القرطبي 1 / 263)، فالإنسان هو خليفة الله تعالى في الأرص بعبادة الله تعالى وطاعته وإقامة شريعته.

Dr.fadikareem@yahoo.com