تعطي حُزم الإجراءات الحمائية التي قررتها الحكومة أخيرا، تعبيراً مهماً عن عمق الإحساس بأزمة قطاعات اقتصادية تضررت من جائحة كورونا، والأهم أنها تمثل فهماً عميقاً لأزمة العاملين المعيشية.

لذلك، لم تنتظر الحكومة ورئيسها الدكتور بشر الخصاونة طويلاً لتطلق حُزمها، وتحدد إجراءاتها، مدركة أن لا طريق أو سبيل لإنقاذ القطاعات والعاملين فيها إلا بتدخل رسمي يحمل جزءا من عبء الضرر الواقع عليها.

الأكيد، أن الإجراءات الحمائية سترتب كلفاً على الموازنة العامة وتحمّلها مزيدا من القروض، تعي الحكومة وتدرك هذا العبء، لكنها قررت أن تنحاز لفكرة المساهمة في إنقاذ هذه القطاعات وحماية العاملين.

لا شك أن لهذا الأمر معنى وقيمة سياسية واجتماعية كبيرة لا تقل أهمية، أو هي للدقة، توازي القيمة الاقتصادية، ويترك المعنى ذاته انطباعاً أن تقييمات الحكومة للواقع العام أكثر نضجاً ووعياً بضرورة تدارك آثار الجائحة.

أي أن الحكومة أدركت ووعت بأن إنقاذ القطاعات ومساعدتها، وحماية العاملين وأمنهم الوظيفي، وكذلك عمال المياومة والأسر الفقيرة، أهم بكثير من ضرورات استقرار الموازنة أو عدم إضافة أعباء إليها.

لا ننسى، هنا، أن الموازنة، بالأصل، تواجه إشكالات وتعقيدات مركبة، فمنذ سنوات لم نشهد موازنة بلا عجز كبير، وهذا العام زادت الجائحة من تراجع إيراداتها، ولا يتوقع أن يكون العام المقبل أفضل حالاً.

ذلك بالنظر إلى أن الموازنة تقوم أساساً على الإيرادات المحلية، ومن ثم المنح والمساعدات، وليس صعباً ملاحظة حجم التراجع في النشاط الصناعي والتجاري مع ما يعنيه من تراجع في حجم الضرائب والرسوم بكل أشكالها.

مع ذلك، ومع توقع بقاء أزمة الموازنة قائمة، وربما تتفاقم، إلاّ أن المسألة في ذهن الحكومة ورئيسها لم تكن أرقاماً مجردة من معانيها الإنسانية والوطنية، بل تأخذها في الحسبان، وتحملها محمل الجد.

يسجل للحكومة سرعة التقييم والاستجابة لظروف الواقع، وللقيم التي تمثلها التوجيهات الملكية التي محصلتها حالة ارتياح سرت بين القطاعات والعاملين، وزادت إحساسهم بأن أوضاعهم الصعبة يجري تلمسها ويُبحث لها عن حلول.

تلك الإجراءات الحمائية، ومن قبل تأكيد إعادة صرف الزيادة على العلاوات لموظفي القطاع العام، وإعادة صرف الاقتطاعات الأخرى من الرواتب اعتبارا من الشهر المقبل، والتعهد بعدم فرض ضرائب جديدة، سيكون لها أثرها الإيجابي في حركة السوق والاقتصاد عموماً.

والذي يترك عميق الأثر، اقتصادياً ومعيشياً، هو أن يصل العقل الجمعي إلى قناعة تامة أن الالتزام بالإجراءات الوقائية في مجابهة كورونا وحده الذي يعيد المسار الاقتصادي إلى ما كان عليه قبل الجائحة.

الفائدة من ذلك تكمن في أن الحكومة ستحافظ على الإنفاق الجاري دون اقتطاعات، وتوجه الانفاق الرأسمالي إلى إقامة المشاريع المختلفة لا إلى الانفاق على القطاع الصحي لتأمين أسرّة وغرف عناية حثيثة.

تحاول الحكومة الموازنة بين الاقتصادي والصحي لحماية البعد الاجتماعي، وتجهد في ذلك، ويمكن أن نساعد، بوعينا وإداكنا، في تخفيف آثار الجائحة على الحكومة والمواطنين، بأن نلتزم.. والالتزام يخفف الأعباء عن الجميع.