هدى أبو غنيمة

(كاتبة أردنية)


ما إن انتهيت من قراءة رواية "دفاتر الوراق" المثقلة بحمولتها المعرفية، حتى تساءلت: هل هي رواية ترصد تحولات الحداثة المرتبطة بالنموذج المعرفي الغربي؟ أم هي كوابيس اللاشعور الجمعي التي جسدها إبراهيم الوراق؟

"أكثر الكتابات سهولة وصعوبة, هي التي تأتي من عمق ما عشناه، ل ابد لي أن أكتب ما حدث لأنجو من الذاكرة، ومن الاكتئاب" (ص150). كأن الكاتب جلال برجس يجيب عن تساؤل القارئ بهاتين الجملتين، فهو لم يقدم شخصياته بطريقة تقليدية، بل آثر أن يقدمها بأسلوب ملائم لغرابة هذه الشخصيات وعلاقاتها بالأمكنة وبعضها ببعض وبالمجتمع الذي تعيش فيه وتواجه تحولاته.

إبراهيم الوراق إنسان بسيط، يعمل في كشك كتب على رصيف شارع الملك حسين، يرى كل يوم كثيرا من المشترين ممن يقفون قبالة ما يعرضه من كتب ومجلات، ثم يقبل بعضهم على الشراء، ويمضي الآخرون. ما يجنيه من عمله بالكاد يكفي لأجرة البيت والطعام، ليس له من متعة سوى القراءة، ويؤثر الصمت على الكلام، ليس له عائلة ولا أقارب في عمان ولا يستطيع الارتقاء بحياته. كافح جده طوال حياته الرعوية ليرتقي بحياته، وأملَ أن يصبح ولده الذكي "جاد الله" طبيبا، فأرسله إلى روسيا، لكن جاد الله آثر أن يدرس الفلسفة. وقد أُبلغ إبراهيم فجأة أنّ عليه ترك المكان، لأن تعديلا سيحدث على الشارع ليقوم مكانَ كشك الكتب متجر واسع على طراز حديث لبيع الهواتف النقالة، فيلجأ لأحد المتنفذين الذين تتكرر صورهم في الصحف:

"في ذلك اليوم, جن هذا المجرم كأنه جنين كائن خطير يتحرك في بطن امرأة، يتحرك في لحظات الغضب، يحثني على قتل شخصيات ما" (ص46). كأن الكاتب هنا يتمثل رأي عالم النفس "كارل غوستاف يونغ" وهو يعبّر عن الغضب الكامن في أعماقه. فقد وُلد في داخل إبراهيم كائن خطير يتحكم بتصرفاته، فوفقاً لنظرية "يونغ" في اللاشعور الجمعي: "ما يظهر من النفس الإنسانية، مثل جبل الجليد ربعه فوق الماء، وثلاثة أرباعه تحت الماء".

لعل للإطار المعرفي للكاتب علاقة وثيقة بتخطيط الرواية وبنائها، فهو مهندس طيران وشاعر وروائي متنوع القراءات، لذلك فإنه وهو يعبّر عن مظاهر الحداثة في المدينة يرى الحداثة قشرة خارجية ما يدفع إلى التساؤل: هل كانت الحداثة التي استقرت عليها النخبة كفيلة بتحديث فعلي؟

ويسلط الكاتب الضوء على المناطق المهمشة، التي تختفي وراء مظاهر الحداثة، منحازا إلى المحرومين والمهمشين بدءا بأولئك في ملاجئ الأيتام والمشردين وانتهاء بمن يلجأون إلى الأماكن القديمة المختبئة وراء الأبنية الحديثة ويذهب بعضهم إلى جسر عبدون لينتحر بعد أن واجه أفقا مسدودا في الحياة، مما يذكرنا بأجواء رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو.

اتسمت الأحداث في الرواية بالحيوية، لكن بعضها مال إلى أجواء القصص البوليسية، مما أخلّ بتماسك الرواية وتركيزها، فقد عبّر الكاتب من خلال الغضب الكامن في لاوعي إبراهيم الوراق عن تقمص إبراهيم لشخصيات تأثر فيها من خلال قراءاته، فاتجه إلى سرقة الأغنياء من أجل تأمين حياة أفضل للبؤساء، لتنتهي الرواية بأن يجد إبراهيم الوراق نفسه في قسم الشرطة متهما بقتل والده جاد الله الشموسي وعماد الأحمر وإياد نبيل ورناد محمود بعد أن عثرت الشرطة في شقته على دفتر سجّل فيه ما ارتكبه من جرائم، ليوضَع في مستشفى للأمراض العقلية، ثم نقرأ ما كتبه في الصفحة الأخيرة: "أكتب رغم قناعتي أن الكتابة لن تجعلني أنجو مما وصلت إليه، لكنني متأكد أنها ستردم هوتي المعتمة، فأحظى بالسكينة".

فهل بنى الكاتب روايته على "الكتاب الأحمر" الذي كتبه "يونغ" بعد خوضه تجربة مريرة في المواجهة مع اللاوعي، واستمر في كتابة هذا الكتاب ست عشرة سنة عاش خلالها في عزلة؟