د.سهى نعجة

(كاتبة وأكاديمة أردنية)


كنا قد أشرنا في الجزء الأول من هذه المقالة إلى أن المعجم المدرسي معجم هداية؛ فهو يروز منسوب الصعوبة في الدوال الموجودة في المناهج المدرسية، ويضيء معانيها، ويحصّنها بلغة سهلة يسيرة مثقفة. وإذ

ويمكن هنا إيراد مجموعة من المقترحات لجذب الطلبة لاستخدام المعجم المدرسي واستثماره ليضحي عنصر غواية لغويّة، ومنها ما يلي:

1. الاقتداء بـ "المعجم الوسيط" في تحديد الجذر؛ إذ يكتب الجذر بحروف غير مقطعة، وبالمحافظة على الألف في وسط الدالّ أو في آخره؛ ليستنتج الطالب وهو قيد البحث عن المعنى المتغيّا أصل الألف في الدّالّ إن كان البحث في أصلها هدفا، وإلا نمضي عن أصلها ونتوقف عنده قليلا من باب العلم بالشي الذي يفيد وقت الحاجة.

2. الاعتناء بمنهجيّة تعريف الدال المعجميّ من غير أن تكون كمن فسّر الماء بالماء، فتكثر كلمة (معروف)، و(شجر مثمر)، و(ضدّ كذا)، و(مقابل/ نظير كذا)، أو (لعبة للصبية)، أو (عيد للمجوس)، أو نوع من (الطعام، الحلوى، السمك) وكله غالبا غير معروف الدال والمدلول؛ لأنهما من أزمان بادت، مع أنه يمكن أن يكون له معنى عربي لكن القائمين على الصناعة المعجمية قاصرون أحيانا عن تحديده لانغماسهم في النقل المتوارث للدوالّ ومعانيها، فتغدو المعجمات كلّها معجما واحدا: دالّا ومدلولا. وقد تحلّ هذه الإشكالية بالاستعانة بالمعاجم الأجنبية، وهي أقرب من معاجمنا إلى الحياة؛ لأنها تُعنى بالتحديث المستمر.

3. ويعدّ الرسم التوضيحيّ رائزا مهما في توضيح المدلول، فالببغاء، والحمام، والغراب، والكناري، والنعامة، والمريمية (المرمية وبعضهم: يقول الشجيرة)، والشيح، والقيصوم، والطيون، والحبق، والورد، والريحان، والجوري، والقرنفل، وغيرها كلها طيور ونباتات تتفق في الفصيلة تختلف شكلا وتشريحاً، حينئذ يغدو الرسم التوضيحيّ رائزاً مهمّا في توضيح مدلولات هذه الدوالّ. ومع أنّ المعجمات نهضت بالرسم التوضيحي أحيانا لكنه نهوض هشّ لا يُبين حقيقة الدال، لكن الحاسوب كان بلسما لهذا الأمر، ففيه نختار الصورة الفوتوغرافية الحقيقية للدالّ، بأنواعه المتنوعة، نحو الحبَق النبات ذو الرائحة الطيّبة الذي يستعمل في الطعام، كما يستعمل في الاستشفاء، وهو يختلف عن الريحان مثلاً.

لهذا يتكوّن المعجم الحديث من فريق من اللغويّين يساعدهم مختصّون في التربية، والتاريخ، وعلوم الشريعة، والسياسة، والاقتصاد، والرياضة، والإعلام، وغير ذلك؛ على أن يكون من ضرورة بناء المعجم الاستعانة بمن تراه اللجنة مناسبا من أهل الاختصاص في السعي إلى أن يصبح المعجم دقيقاً أميناً رجيحاً في تقديم معاني الكلمات؛ فلا يجوز للغويّ أن ينفرد في تعريف كلمة (العَولَمة) لأنَّها ليست من اختصاصه إلا في إعادتها إلى الجذر (ع ل م)، وأمّا معناها فأمر صعب، يحتاج إلى تدقيق العلماء الآخرين، لكي لا يكون المعجم وجهة نظر اللغويّين في المعرفة والثقافة والفنون والحضارة والفكر. ويكفي أن يتجوّل المتدبِّر بين صفحات معجم كبير كمعجم "لسان العرب" ليبحث عن التعريف الذي ارتضاه ابن منظور لمصطلحات علم ما، كعلم الفقه مثلا؛ ليتبيّن أنَّ تعريفات ابن منظور ليست دائما تعريفات راجحة لمصطلحات علم الفقه.

4. النصُّ -متى دعت الحاجة- على آلية نُطْق بعض الدوال العربية التي لا يعطيها الناطقُ حقّها، كتفخيم لفظ الجلالة بعد الضمّ، نحو: "أراهُ الله ما لم يره"، وبعد الفتح، نحو: "نضّر اللهُ وجهك" وترقيق نطقه عندما يسبق بكسر، أو بياء نحو: "بالله عليك واظب على المذاكرة"، و"أراني الله ما تطيب له النّفس"، وكتفخيم المدّ في (القرآن)، والألف في كلمة (الصراط)، وترقيق السين في الدال (سار) و(مستوصف)، في ما ننحو إلى حدّ ما إلى تفخيمها في نحو: (سطر)، ويغدو القرص المدمج لقراءة الدوالّ قراءة صوتية صحيحة أمرا لازما لازبا في ضوء تعدد اللهجات. وقد أحسن أحمد مختار عمر في "معجم الصواب اللغوي" و"معجم اللغة العربية المعاصرة" في هذا الشأن، وأبدع الباحث الكويتي خالد الرشيد في إنتاج قرص مدمج لموسوعة اللهجة الكويتية صوتا وصورة..

5. ضرورة عدّ الدّخيل (الأجنبي) نحو: (موبايل)، والمعرب صوتيا نحو: (جيولوجيا)، والمعرّب صرفيّا مما يجيء على وزني (فَعْلَل) و(فَعّل) نحو: (كَنْسَل) و(فَرَّز)، دوالّ مستقلة، لها خاناتها المعجميّة، يكون دخولها بداهة ألفبائيا؛ لأنها بلا جذر عربيّ، وإن خضع بعضها لمقاييس العربيّة وأخذ استحقاقاته وهو المعرّب الصرفي، يشفع لنا ههنا عدّ العرب الدال (بنج) وحدة مستقلة في الأصل ولها فروع مع أنها فارسيّة.

6. الدخيل والمعرب يُسلمان لإشكالية حقيقية في المعجم العربي حين يتآخى الدال العربي مع الدال الأجنبي بنية لا دلالة، فتكون الدلالة مائزة بينهما نحو: (شَيّك) التي تصلح أن تكون عربيّة كما في جملة: (شَيّك مزرعته) أي حَماها بالشيك من الجذر (شوك)، و(شَيّكت على المعاملة) من (Check)، وههنا لا بدّ من اجتراح مدخل مستقل لكل دالّ على حِدة.

7. إغناء المعجم المدرسي بالوحدات المعجمية القديمة والمستحدثة بشواهد معاصرة من شعر العرب ومنثوره بصرف النظر عن معياريّة الزمان والمكان؛ ليكون لسان عصره، وغير منكفئ على تراثه، ولا سيما في الحقل البلاغي الذي بدأ أفراد الجماعة اللغويّة يحدّثونه على طريقتهم نحو: (هزّيز ذَنَب) كناية عن التملّق، و(عقلُه كمبيوتر) في سياق التعبير عن سعة اطلاعه، و(امرأة صاروخ) مقابل نعتها قديما بـ(الظبية)، و(رجع فلان واحدا إلى صفر)، و(كأنه مطرود من الدَّوري) مقابل (عاد بخُفي حنين)، و(عَظمه ذهب).

8. تمكين الطلبة من الفعل المتعدي بنفسه أو بحرف الجر، وأخذ الحذر من ظاهرة تناوب أحرف الجر مما يجعل المعنى ينعكس أحيانا، فثمّة فرق بين (رغب بـــــ/في) بمعنى: أحبّ، و(رغب عن) بمعنى: كره. و(أتى على الطعام) أكله كلّه، و(أتى بالطعام) أحضره، و(حضر من دمشق إلى الأردن) غادر دمشق وحلّ في الأردن.

9. النصُّ في مقدّمة المعجم أن المعجم لا يحيط بكلام العرب كلّه، وأن ثمّة معاجم هي موسوعات لغويّة كــ"لسان العرب"، وأنه واجب على مجامع اللغة العربية أن تضيف إلى المعجم الدوالّ الجديدة أسوة بالمعاجم الأجنبية، ولعلّ فكرة "معجم ألفاظ الحياة" الذي كان حلم اتّحاد المجامع العربية، تكون دوالّه غالبا منكفئة على تراث دالي ووحدات معجمية تخضع لقانونَي النشاط والخمول، ولعل مجمع اللغة العربيّة الأردني خطا خطوة مائزة في استقراء اللغة عبر "معجم ألفاظ الحياة العامّة"، لكنه لم يستفد منه كما يجب، فحاطه الخمول دالا ومدلولا، فهل بهذه الحال يمكن أن نحّدث معاجمنا، ونسير مع ركب معجمنا في ضوء قولنا: "الإنسان لسان"، والمعجم هو لساننا؟

10. إقناع المعلمين بضرورة استعمال المعجم المدرسيّ بعد تزويده بالفوائد التعليميّة التي يحتاج إليها المعلّم والمتعلِّم على السواء؛ ذلك أن المعجم المدرسي المتغيّا معجم مصطلحات ومفاهيم تنتمي إلى حقول دلالية عِدّة، لكنها متناثرة لأسباب تتعلّق بمقتضيات الصناعة المعجمية، وليس مختصَّا بالدوال الواردة في منهاج اللغة العربية، إنما بالدوال الواردة في المناهج؛ ديدينه تبيين معنى الدوال الصعبة، لكن: من يقيس الصعوبة؟ والذي يثير العجب ويؤكّد التجزئة العربية للصناعة المعجمية، أن كل دولة تسعى لصناعة معجم على وفق ما في لغتها أو لهجتها، فيصبح المعجم معزّزا للانقسام العربي، فثمّة معاجم وموسوعات فردية وجماعيّة لدول بلاد الشام، ولدول المغرب العربي، ولدول الخليج العربي، ولا ضير، لكنْ لا بدّ من معجم يوحّدنا، تسانده معاجم الحقول الدلالية التي صارت مفصلا في كل تخصّص؛ لأنَّ نسبة الكلمات الجامعة بين ناطقي العربيّة ودارسيها في العالم العربيّ كلّه عالية جدا.

11. الإحالة المعجمية، فإذا ورد الدال (ي ءِ س) في باب الياء، وورد مقلوبه في باب الهمزه (أ ي س) نعرّفه في باب الهمزة، ونقول: ينظر: (ي ءِ س)، وتحت الجذر (ي ءِ س ) نقول : راجع (أ ي س). وينطبق هذا الكلام على الدوال المقلوبة والمصحّفة والمحرّفة.

12. قد تكون الصيغة الإلكترونيّة المحوسبة من المعجم المدرسيّ مطلباً ضروريّا من مطالب مُسايرة المعجم للحياة المدرسيّة وما فيها من كلمات، على أن تكون النسخة المحوسبة ذات مداخل متعددة مرنة، تسمح للباحث عن معنى كلمة ما من أن يدخلها كما هي بعد تجريدها من أل التعريف وتاء التأنيث، لتظهر الكلمة وبجانبها المنطلق الجذريّ لها، ولا ضير من نشر صيغتين ورقيّتين من المعجم المدرسيّ: واحدة تنطلق من الجذور، وأخرى تنطلق من الكلمة كما هي على وفق الترتيب الألفبائي، ويأتي بعد كل كلمة جذرها بين قوسين، في حين تجتمع النسختان في المدوّنة الحاسوبيّة من المعجم المدرسيّ التي يمكن أن تكون موقعاً حاسوبيّا، أو تطبيقا على أجهزة الحاسوب، وقد تصبح العوائد المالية غير المباشرة من شركات الاتصالات مصدر التمويل الذاتي للّجنة المشرفة على إدارة المعجم المدرسيّ وتحديثه وتطويره، ولا بأس من أن تقوم لجنة الإشراف على المعجم بفتح خدمة الاقتراحات والتعليقات والأسئلة؛ لتكون من مصادر تطوير المعجم.

13. رعاية المعجم إخراجاً، واعتماد لونين ليس أكثر في كتابة دواله على النحو الآتي: الجذر والمدخل المعجمي باللون الأحمر الداكن، وبخط أكبر قليلا من خط المادة المعرّفة باللون الأسود، مع إغناء بعض الدوال اللغوية بالرسم أو بالصورة لتوضيح معنى ما.

14. إنّ صناعة معجم مدرسي لا تقوم على فكرة الاختصار في المداخل المعجميّة غير المستعملة؛ لذا لا بدّ من النصّ عليها تماما كالنصّ على الأصل المفترض، فليس ثمّة ما يدلّ على عدم استخدامها أو العكس على مستوى الجذر الأصل، لأن العربية في ألفاظها كغيرها من اللغات تنشط وتخمل، وإدراجها لن يصرف الطالب عن استخدامها، لكنّ اختصار الشروح، وما تعلّق بها من أقاصيص وأسمار وشواهد يقلل حجمها؛ وحينئذ نسدّ احتياجاتنا من الخانات الفارغة في العربية عبر الترجمة والتعريب. وإن كان حجم المعجم هو العثرة، فما أسهل حلّه بتوطين معجم في كل صفّ، وفي المكتبة، وتتولى المدرسة أمر اقتنائه في البيت، ويعزّز دور المعجم بتمارين فردية (في المنزل)، وتمارين جماعية في الحجرة الصفيّة.

15. إغناء المعجم بملاحق نحو ملحق مختص بالشاذ والنادر من كلام العرب، وملحق بالأوزان الصرفية، وملحق بالأفعال الرباعية التي أصلها ثلاثي من جنسها، نحو: (زلّ، زلزل)، و(بلّ وبلبل)، وملحق بحروف الجرّ الملازمة لبعض الأفعال المتعدية، وغيرها.

***

وبعد،

فمعاجمنا صورتنا، وبناؤها يكون على سبر عميق في الراوفد المعجمية، وليست معاجم هاجس صانعيها التسهيل والاختصار في المداخل المعجمية حتى غدت بلا قيمة، ولا يستفاد منها كما ينبغي، فهي تغني الطالب بالمعنى، وتبشّره بمعانٍ أُخَر، يفيد منها إن كان من المعنيّين بالكتابة الإبداعية. وحسبنا ما أُثِر عن رؤبة والعجّاج من ابتداعهما دوال لغوية لا معنى لها، وصارت بسياقها الشعري الجديد ذات معنى، بل إني رأيت نخبة من الأدباء الشعراء حين يضيق عليهم الروي أو القافية؛ يجد في المعجم ضالّته، فليس إذن من حقّ صانعي المعاجم هذه الحتمية في انتخاب ما يدخل المعجم وما يمكن تنحيته.

ناهيك عن حرص البرامج الأجنبيّة المدرسّية نحو (SAT) و(IP)، على تعليم الوحدات المعجميّة النضرة، ذلك أنها تتغيّا تدريس الأدب العربي والعالمي المترجم غالبا نحو: "عائد إلى حيفا"، وثلاثية نجيب محفوظ، و"ساق البامبو"، و"الأيّام"، و"صهيل الجواد الأبيض"، و"قواعد العشق الأربعون"، و"الملك لير"، و"المسيح يصلب من جديد"، و"الخيميائي".

فالمعجم إذن معجم حياة، لا معجم دوال وعرة حسب، عزّتنا فيه، ومجدنا، وخير إحساننا إليه أن نواكب تحديثه ورقيا وإلكترونيّا، مؤكّدين ضرورة التوسّل بقوانين حماية اللغة العربية، والمعاجم المتنوّعة ولا سيما معاجم الحياة التي بدأت تفرز معاجم تضيم اللغة بحُجة مواكبة الحياة وتدريسها في بعض الجامعات والمراكز والمدارس كمعاجم "الأرابيزي"، والمعجم العَمّاني، ومعاجم العامية، ومعاجم لغة الدواوين، و"الحفرتليّة"، بحجة الطلب الملحّ عليها من متعلمي العربية للناطقين بغيرها.