اعتقد كثيرون أن مأساة البحر الميت أصبحت في طي النسيان، وربما استشعر أهالي الطلبة الذين ذهبوا ضحية الحادثة شيئاً من المرارة عندما مرت ذكرى الحادثة دون أن تحظى بحقها من التغطية في وسائل الإعلام، وبالتأكيد تحدثوا عن ذاكرتنا قصيرة المدى، إلا أن الزيارة الملكية لمنطقة البحر الميت وتفقد مركز الدفاع المدني الذي أطلقت عليه تسمية شهداء البحر الميت أتى ليمثل تعويضاً نفسياً وليؤكد على الطبيعة المتفردة للأسرة الأردنية الكبيرة، وحين يستذكر الملك ضحايا الحادثة، ويذهب لتفقد جاهزية أحد المرافق التي تأسست للحيلولة دون تكرر هذه الحادثة الأليمة، فإن ذلك يدفع التذرع بالنسيان بعيداً عن قائمة الأعذار الجاهزة التي يحاول البعض الاختباء وراءها.

لم تذهب حياة هؤلاء الطلبة سدى بل أصبحت ضوءاً ينصب كثيفاً على مواطن الخلل في أكثر من منظومة ومؤسسة، وستبقى ذكراهم في المركز الذي يستحضرهم كأبناء لجميع الأردنيين تسهم في تعزيز الانتباه والحيطة والحذر للمحافظة على أرواح الأبرياء الذين سيجدون المركز المجهز والمعد لمثل هذه الحوادث، وبما سيمكن من التدخل السريع في حالات الطوارئ.

عشرات من الغطاسين والمنقذين يضمهم فريق المركز الذي يزودهم بأفضل الأدوات والتقنيات للتعامل مع الطوارئ الجوية وأي ظروف استثنائية في المنطقة بمنتهى الكفاءة والفعالية، وتعطيهم الزيارة التفقدية الملكية دعماً معنوياً يجعلهم يستشعرون بأهمية وحساسية دورهم، وبالتوازي مع ذلك، تتواصل الرسائل الملكية لجميع مؤسسات الدولة بضرورة المتابعة والإنجاز بوصفهما المعيار الوحيد المقبول لدى جلالته، فالمواطن لا يمكن أن يركن للنوايا الحسنة أو التصريحات المطمئنة، ويحتاج لمنجزات تستطيع أن تحسن من ظروف حياته وأن تشعره بمزيد من الأمن والحماية، وهذه هي العبرة الأساسية.

سلامة المواطن وكرامته خط أحمر لدى الملك، وأي مساس به يغضب جلالته، ولكن للأطفال في مقتبل العمر مكانتهم الخاصة التي تثير غضباً مضاعفاً كما حدث مع الطفل صالح في الزرقاء والذي صدرت بعد حادثته المؤلمة تعليمات ملكية واضحة باجتثاث هذه الظواهر الإجرامية من جذورها وفرض سلطة القانون على الجميع، ومن مشاعر صادقة وأبوية كان التوجيه الملكي الذي حظي بمتابعة جلالته الشخصية لتجهيز منطقة البحر الميت بمركز حديث يمكنه الاستجابة لنجدة المحتاجين والعالقين، ومضت التوجيهات الملكية لتحرك أعمالاً واسعة لحماية وتأهيل الجسور على طريق البحر الميت – العقبة لحماية ممتلكات وأرواح المواطنين في المناطق التي تقع عند مصبات السيول والوديان.

إن القيمة الحقيقية للشهادة هي في أثرها في تغيير الواقع، وما يتركه الشهداء وراءهم يكون أثراً طيباً في حياة الناس من ورائهم، وسيبقى المركز الذي وجه الملك لرعايته وتأهيله لمسةً كريمةً من جلالته لأهل الضحايا، وللأردنيين جميعاً، فالشهداء كانوا أبناء لكل الأردنيين، وفي مقدمة هذه الصورة الأسرية هم أبناءٌ للملك أيضاً بشعوره الأبوي الذي يظهر كلما كان طفل أو شاب أردني في مقتبل العمر يحتاج يداً حانية وقلباً مفتوحاً لاحتضانه.