يستذكرالأردنيون هذه الأيام بكثافة شهيدهم الرمز وصفي التل، ورغم كثرة الصفات والسلوكيات التي يذكرها الناس عن وصفي، غير أنهم يجمعون على أنه كان دائماً معهم وبينهم، وكان أكثر ما يكون قرباً منهم عندما يكون في موقع المسؤولية، فبالإضافة إلى اليوم المفتوح، الذي كان يستقبل به الناس كل ثلاثاء من كل أسبوع، ليقضي حوائجهم ويرفع المظالم عنهم، ويصحح الأخطاء التي يكون قد ارتكبها بعض المسؤولين بحق الناس، كان الوصول إلى وصفي في بيته ميسوراً، وكثيرة هي القصص التي يرويها الأردنيون عن مشاهداتهم لوصفي عندما كانوا يذهبون إلى بيته في الكمالية، فيجدونه يحرث الأرض بواسطة بغلته، أو تحلق مع مجموعة من المراجعين حول «إبريق شاي» على الحطب، أو يبني سلاسل الحجر حول المزروعات، كذلك لم يكن الوصول إلى مكتب وصفي رئيس الوزراء صعباً، حيث كان الشهيد يبادر إلى استقبال المراجع بقوله (هلا خال) أو بـ (هلا قرابا)، ليدخل إلى قلبه الطمأنينة، ذلك أن وصفي رغم بساطته ورغم تواضعه، كان ذا هيبة حازماً لا يجامل بالحق.

يستذكر الأردنيون ذلك كله من سلوك وصفي، ليقارنوه بسلوك مسؤولي هذه الأيام، فيجدون أن أول مايفعله من يتولى المسؤولية في بلدنا هو تغيير رقم هاتفه، ومن ثم حجب كل وسائل التواصل مع الناس، يلي ذلك جيش من الحجاب: مدراء مكاتب وسكرتاريا ومداخل ومخارج خاصة، بل ومصعد خاص، وغير ذلك من الوسائل التي تجعل وصول المواطن إلى المسؤول شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلاً، وهم بذلك لا يختلفون عن الشهيد وصفي فقط، لكنهم قبل ذلك يخالفون توجيهات قائد الوطن بضرورة العمل الميداني وعبر الأبواب المفتوحة فما السر في ذلك كله؟.

الإجابة على هذا السؤال متعددة أولها أن وصفي كان حريصاً على أن يكون عوناً لمليكه لا عبئاً عليه، وثانيها أن وصفي كان واثقاً من نفسه، مؤمناً بأن الوظيفة العامة هي لخدمة الناس لا للتجبر بهم، وثالثها أن وصفي رغم سعة ثقافته وتنوعها كان وفياً لثقافة أمته حريصاً عليها منتمياً لها، ولعل هذا ما يفسر لنا حرصه على إحياء الأغنية الأردنية وسائر الفنون الشعبية وكذلك رعايته للفن والإبداع، وتسخير ذلك كله للنهوض بالمستوى الثقافي والحضاري في بلدنا، والأهم من ذلك كله أن وصفي كان مشروع أمة يتجسد برجل يمشي على الأرض، لكنه يحلق في سماء أمته ساعياً إلى تحرير إنسانها وأرضها وتجديد دورها الحضاري، وأصحاب المشاريع الكبرى يؤمنون بأن الجماهير هي التي تحمل هذه المشاريع، لذلك يلتصقون بها وهذا بالضبط ما فعله وصفي، لذلك أحبته جماهير شعبه، بعكس الموظف الذي يستمد قيمته من منصبه فيعتقد أنه ليس بحاجة إلى الناس فينعزل عنهم ليكتشف بعد قليل أن هذه العزلة طريقه إلى الخروج من ذاكرة الناس، فيصبح عابراً في زمن عابر، لذلك يتوقف هاتفه عن الرنين عندما يحتاج إلى سماع هذا الرنين.

Bilal.tall@yahoo.com