سفر وزراء الخارجية الأميركية بشكل روتيني في نهاية عملهم في الفترة الفاصلة بين الانتخابات والتنصيب هي عادة أميركية. ومع هذا، أثيرت عدة تأويلات لجولة وزير الخارجية (مايك بومبيو) المكوكية والتي زار فيها سبع دول عبر أوروبا والشرق الأوسط، كانت الدبلوماسية فيها هي الغائب الأول، وأكدت أن إدارة الرئيس (دونالد ترمب) ستبقى حتى اليوم الأخير تصدر قرارات تخدم وجود إسرائيل وتقدم لها «الهدايا» المتنوعة!

الزيارة الأكثر إثارة كانت زيارته لفلسطين وهضبة الجولان المحتلين، حيث خالف كل التقاليد الدبلوماسية الأميركية والإجماع الدولي وأصبح أول وزير خارجية أميركي يزور مستعمرة/ «مستوطنة» في الضفة الغربية وبالتحديد مستعمرة «بساغوت» التي تنتج «نبيذ بومبيو»، والتي جاء فيها أهم إعلان خلال رحلة (بومبيو): «الولايات المتحدة ستسمح للبضائع المنتجة في المستوطنات بوضع ملصق «صنع في إسرائيل». وفي زيارته لهضبة الجولان السورية المحتلة، والتي اعترفت إدارة (ترمب) بالسيادة الإسرائيلية عليها، قال: «تخيل، تخيل مع سيطرة دمشق على هذا المكان، حجم المخاطر والضرر الذي يمكن أن يلحق بالغرب وإسرائيل و(شعب) إسرائيل». وأضاف: «الجولان جزء من إسرائيل»!!

من الواضح أن الجولة المكوكية هدفت بالأساس تعزيز طموحات (بومبيو) الغارق في الأصولية التوراتية والإنجيلية والمؤمن بأن «الغرب المسيحي في حالة حرب مع الشرق الإسلامي». كما أنها جاءت لكسب ود اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة. فنقطة الجذب الحقيقية تكمن في حقيقة مبادئ (بومبيو) الأفنجيكالية (المتهودة والمتمسيحة) والمتغولة في دعم «إسرائيل»، التي يؤمن، كما «الأفنجيكاليون» جميعا، بأحقية كل المطالبات اليهودية بسيطرة «إسرائيل» على القدس وكل «أرض الميعاد»، مما سيُعجل في حرب «هرمجدون» (المعركة المنتظرة من قبل كثيرين والتي تسرع في ظهور المسيح المنتظر). ومن هنا، تأتي أهمية الزيارة لوزير الخارجية الأميركي نفسه. فأولا، هو يريد (عبر مضاعفة المبادرات الأحادية المؤيدة لإسرائيل خدمة لمصالحها أساسا وبخاصة في الموضوع الإيراني) التودد للمسيحيين الإنجيليين الأميركيين وهم جمهور كبير من الناخبين. وثانيا، توثيق علاقاته مع «إسرائيل» فلربما هو يستعد لمحاولة تحقيق طموحات رئاسية في العام 2024، أو أقلها نائبا للرئيس في حال كان (ترمب) هو المرشح، وبالذات بعد أن توطدت العلاقات بينهما في العامين الماضيين وتعززت «الكيمياء» الشخصية والسياسية بينهما. وفي هذا السياق، يفهم تصريح (بن رودس) مستشار الرئيس السابق (باراك أوباما): «بومبيو يخدم مصالحه الخاصة». وعن هذا أيضا، قالت وكالة «بلومبرغ» للأنباء: «الجولة بدت وكأنها تهدف إلى تلميع صورة الوزير المحافظ وتحسينها استعدادا لحملة رئاسية محتملة في 2024. ونظرا لأنه شخص غير مهتم بآداب الإتيكيت أو البروتوكول، فقد تسببت هذه الجولة الكبيرة في استفزازات كثيرة».

(بومبيو) الذي يعد من أهم وأبرز الشخصيات الجمهورية، وفي ظل الوقت الحرج الذي يعيشه رئيسه (ترمب) مع الهزيمة في الانتخابات الرئاسية من الواضح أن أهداف جولته تحديدا في الشرق الأوسط ليس لها علاقة وثيقة بالمصالح الأميركية بل بأهداف إدارة (ترمب) ومصالح (بومبيو) الشخصية بالترويج لنفسه في الأوساط الأفلنجيكية واليهودية الأميركية والإسرائيلية اليمينية تهيئة لجولة 2024 الانتخابية.