في كتاب حمل عنوان «أرض موعودة» قدم الرئيس الأميركي السابق بارك أوباما، الجزء الأول من مذكراته، يقص فيها بلغة ممتعة ورصينة مجموعة من المواقف المنتقاة بخصوصية مدروسة، لترسيم الصورة التي يريد أوباما أن يقدم بها نفسه وأن تتذكره من خلالها الاجيال القادمة، فالجيل القادم هم جمهور الكتاب المستهدف في أغلب الاوقات.

يتوقف الجزء الأول من الكتاب عند لحظة العزم على تنفيذ عملية التخلص من ابن لادن في باكستان، بعد سرد مفصل ومحكم لتفاصيل وأسباب ومحركات وظروف جميع الخطوات والقرارات التي اتخذها الرجل، من قراره دخول معترك الحياة السياسية بداية، إلى صراعه مع الجمهوريين في تمرير قوانين الرعاية الصحية «أوباما كير» وخططه للنهوض بالاقتصاد الاميركي بعد الأزمة المالية، اضافة للسياسات الخارجية والصراعات الدولية.

الكتاب ممتع وينصح بالاطلاع عليه، لكن ما يلفت النظر في الكتاب هو، مكانة المواطن الأميركي في عقل الساسة هناك، وأهمية التواصل بين المرشحين أو الساسة والمواطنين، وآليات محاسبة المجتمع لموظفي الخدمة العامة وأحزابهم باختلاف درجاتهم، واشتباك المجتمع المحلي المصغر، والكبير على مستوى الدولة مع قضاياه العامة والمحلية، يعززه الشعور بالقدرة على التغيير والتأثير في صناعة القرار.

اضافة لنظرة الاميركيين لأنفسهم ولعلاقاتهم مع باقي دول العالم من منطلق ثنائية (الدولة-الأمة) التي تسعى الى التفرد بالتفوق في مختلف المجالات، وتحركها مصالحها أولا، ومن ثم قيمها الاخلاقية بشرط موافقتها للمصالح الأميركية طبعاً.

تفتقر بلادنا للساسة المرتبطين بقواعدهم الشعبية، الذين يرتكزون على ثقلهم في المجتمع لطرح أجنداتهم الإصلاحية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) باعتبار أنها تعكس مزاج الأغلبية وتعالج احتياجاتهم الملحة، كما تكاد تخلو نخبنا السياسية ممن يؤمن بقدرة الشارع على التغيير والتأثير، والنظر بإيجابية للموروث المجتمعي التقليدي، فنخبنا الثقافية والسياسية أدمنت مؤخرا جلد الذات، واستيراد الافكار والمصطلحات والحلول الجاهزة من مشارق الارض ومغاربها.

أرض أوباما الموعدة، وعد بغد أفضل ومستقبل مشرق للشباب الأميركي، مشروط بالايمان بقدرة هذه الامة على استثمار أفضل ما فيها وما يميزها، وتجاوز الشوائب والنواقص والتحديات التي تواجهها من العنصرية وانتشار الأخبار الزائفة وغيرها، وعد يذكر المجتمعات بواجبات الساسة والحكومات، بالتخطيط للغد واستثمار فرص اليوم، والتعلم من البارحة، بتلبية الحاجات الاساسية كالتعليم والصحة والامن وتساوي الفرص والعدل والمساواة. في بلادنا نحتاج أملاً يحمل الوعد بأرضنا الموعودة، نحتاج سردية حكومية تطمئننا على مستقبل بلادنا وأطفالنا، نحتاج نخبا جديدة تشتبك مع قواعدها الشعبية، تنقل همومهم وآمالهم، وتعيد بناء ثقة المجتمعات بنفسها وبتراثها وقدرتها على التغيير. نحتاج لنخب تخرج من رحم الشارع، وتنتمي اليه، وتعيد الفضل له، نخب تؤمن بشعوبها وتشعر بتحدياتهم اليومية، وتفهم الخدمة العامة على أنها وسيلة لتغيير حال الناس للأفضل، فهي تكليف لا تشريف، ووزر على صاحبها إن لم يحسن عمله وأمانة ثقيلة سيحاسبه عليها الله والناس والتاريخ.

Saifalrawashdeh0@gmail.com