أبواب - زياد عساف

أي ضريبة دفعها الأطفال من الأجيال السابقة جراء مناهج تعليم أساسها التلقين والحفظ مع تغييب عنصر الخيال الذي هو منطلق الإبداع والإبتكار وكانت النتيجة ندرة المبدعين العرب في حقل العلوم والفنون والأداب فيما بعد،توظيف الخيال عبرأغنية الطفل كان أحد الحلول لتعويض هذا الخلل والنقص في مناهجنا التعليمية وتحديدا من خلال توليف أغاني الطفولة عبر الدراما المرئية والمسموعة.

حضور أغنية الطفل عبر الدراما السينمائية موضوع لم يأخذ حقه من قبل المعنيين في المؤسسات الإعلامية والتربوية لتقييم هذه التجربة بما لها وما عليها خاصة أن معظم ماشاهدناه عبر الشاشة الفضية من أعمال ظل موزعاً ما بين أطفال يغنون للكبار، أو كبار يغنون للأطفال أما الأغاني المعنية بقضايا الطفل وتطلعاته فكانت واحدة من الفرص التي لم تحسن السينما إستغلالها كما يجب رغم أهميتها كعنصر مساهم في مشروع نهضة لا زالت ترنو الأجيال إليها.

قبل وبعد..

كُثُرْ هم الأطفال الذين ظهروا كمغنين ضمن سياق الدراما السينمائية وتبقى تجربة فيروز الصغيرة حد فاصل للأعمال التي قُدِّمت من قبل ظهورها أو ما بعد اعتزالها وبسنوات كثيرة ما يستدعي تسليط الضوء على تجربتها بشكل مفصل.

نجاة الصغيرة كانت سبَّاقة في هذا المجال وغنت بفيلمي (هدية) و(الكل يغني) وكلاهما من إنتاج عام 1947، ولم تحقق نجاة حلمهافي هذا المسار للظروف الأسرية التي عاشتها وأسلوب والدها الخطاط الشهير محمد حسني البابا وطريقة إدارته لشؤونها بهدف إبرازها كنجمة على طريقته الخاصة.

أما بعد اعتزال فيروز الصغيرة كانت هناك محاولات لتقليدها في مجموعة من الأفلام الغنائية ولم تفلح جميعها،و أحد هذه النماذج فيلم (بص شوف سكر بتعمل إيه) 1975 للمخرج أشرف فهمي الذي أسند دور البطولة للطفلة ميرفت علي، وقدمها على نفس شاكلة الصغيرة فيروز بالغناء والرقص والتمثيل مع تكرار نفس السيناريو والقصة ولكن دون جدوى.

الطفلة المعجزة..

"الطفلة المعجزة" لقب استحقته فيروز الصغيرة عن جدارة، فلغاية الاّن ورغم مضي سبعة عقود على أول أفلامها لازالت تبهرنا كمشاهدين ومع اختلاف الأعمار، وتستحق لقب نجمة إستعراض أغاني الأطفال لإتقانها كل العناصر التي تعزز هذا اللقب من غناء عفوي جميل ورقص مبهر وتمثيل قلما أجادته طفلة في الماضي ولغاية الآن.

وفي استعادة لبعض ما قدمته من إستعراضات غنائية نلمس هذا التميُّز مع أول ظهور لها بفيلم (ياسمين) 1950، وغنت بهذا الفيلم مع أنور وجدي الدويتو الشهير (معانا ريال)، وأغنية الأعراس التي اشتهرت بها (مبروك عليكي عريسك الخفَّة)، بالإضافة لاستعراضات راقصة عربية وأجنبية، أما فيلم (فيروز هانم) 1951 فله ميِّزة خاصة تمثلت بتقديمها لإسكتش (يا جمالها يا محلا عيشتها) وهي تقصد الحياة في الحارة الشعبية ومن خلال الإسكتش تُعْلي من قيمة اليد العاملة وتتغنى بأصحاب المهن مثل السبَّاك والحلواني والحلاق والقهوجي،ثم تغنت باللباس الشعبي والملاية اللف، أما أهم ما تضمنه هذا العمل أغنية (مالي بَيْ ومالي خَيْ.. والوصي والله ما خلا شي) وتتطرق لأكل مال اليتيم من قبل الوصي وهذا الموضوع لم يُطرق في أغاني الأطفال عبر الشاشة الكبيرة سواء في الماضي أو الحاضر،واختتمت الفيلم بالأغنية ذات البعد الإنساني: (أهو ده اللي يدوم.. عطفك ع السائل والمحروم)، والملفت هنا أنها توجه نصائح للكبار وهي الطفلة!، وكان الأجدى استغلال هذه الموهبة في أعمال خاصة تتعلق بقضايا الأطفال التي لا زلنا نعاني من ندرتها لغاية الآن.

وفي أعمال مشابهة من حيث المضمون والأغاني تصدرت الطفلة المعجزة بطولة أعمال سينمائية أمام النجوم الكبار مثل فيلم :صورة الزفاف 1952،دهب 1953، الحرمان 1956 وعصافير الجنة 1956، وبهذا العمل قدمت أغنية (احنا التلاتة شربتاتة) مع شقيقتيها ميرفت ونيللي التي أصبحت نجمة مشهورة فيما بعد، وهذه النوعية من الأعمال ظلت محصورة بالعائلة الأرمنية التي تنتسب إليها الصغيرة فيروز لفترة من الوقت وقدمت إبنة خالتها لبلبة في طفولتها وبالفترة ذاتها مجموعة أغنيات في السينما بأعمال من بينها : البيت السعيد 1952 وأربع بنات ضابط 1954.

إقحام..

على الجانب الاّخر قدمت السينما أغاني للأطفال بصوت الكبار منها ما اتسم بأسلوب الحكاية الذي يحبه الصغار،ويعتبر مدخلاً ذكياً لعوالم الطفل المغرم بعالم الحكايات بالأصل بالإضافة لبساطة اللحن والإيقاعات الموسيقية المكررة السلسة التي تُحَفِّز الطفل على حفظ الأغنية وسهولة ترديدها،إلا أنه وكما سبق لم تقترب هذه الأعمال من هواجس الطفل وطريقة تفكيرة مع التنويه أن هذه الأغاني تم إقحامها بالفيلم كنوع من تسويق العمل وليس ضمن موضوع يطرح قضايا تتعلق بالطفولة كعمالة الأطفال على سبيل المثال،وفي الوقت نفسه لم تخل أحياناً من الأسلوب التعليمي والخطابي التقليدي المباشر.

صَوْصَوْ و نَوْنَوْ..

هذا ما ينطبق على أغنية (ذهب الليل) للموسيقار والفنان محمد فوزي بفيلم (معجزة السماء) إنتاج 1956، فهذه الأغنية تم إقحامها ضمن سيناريو العمل وهذا لاينفي أنها امتلكت بعض عناصر النجاح كتوظيف أصوات العصافير والقطط (صَوْصَوْ ونّوْنَوْ)، فتعليم الأطفال الصغار على الأصوات أسلوب تعليمي ناجح بشكل عام خاصة لمن هم في السنوات الأولى وقبل دخول المدارس، وفي الوقت نفسه استخدام أسلوب الحكاية في الأغنية وهذين العنصرين من أسباب استمرار هذا العمل لغاية الاّن مع التأكيد مرة أخرى على بساطة وجمال اللحن كعنصر جذاب، ويبقى المأخذ على (ذهب الليل) والذي قد لا يعجب كثيرين من عشاق هذا اللحن هو استخدام أسلوب ضرب الطفل الذي تشير إليه الأغنية ويتنافى مع التربية الصحيحة والمتمثل في عقاب الأب بضرب الشقيقين المتشاجرين (سوسو وفيفي) الذي يشير إليه هذا المقطع (سوسو ضربها ومسك الحبر اللي في إيدها وقَلَبُه على فستانها.. وشافهم بابا وضربها وضربه)!.

رغم أن الفنان هاني شاكر شارك في طفولته بالغناء بفيلم (سيد درويش) 1966 إلا أن مشاركته اقتصرت على أدائه لأغاني طربية من بدايات القرن العشرين وليست للأطفال وهذا ماينطبق على عماد عبد الحليم بفترة صباه حين قدم أغنية زكريا أحمد (يا صلاة الزين) ضمن أحداث فيلم (وانتهى الحب) بداية السبعينيات.

توحة..

المطربات الكبار تغنين بالطفولة أيضاً،وبالرغم من أن التحيز الذكوري ظل حاضراً حتى في أغاني الأطفال في التراث الغنائي القديم، إلا أن الأغنية السينمائية شذَّت عن هذه القاعدة بعض الشيء وأغلبها على يد مطربات، فلا ننسى أغنية صباح (حبيبة أمها) بفيلم (الليالي الدافئة) 1961 وهي تغني لإبنتها متمنية لها أن تصبح مهندسة،وهي المهنة التي كانت تلك الفترة محتكرة من قبل الذكور على الأغلب، المطربة شادية التي اشتهرت بأغاني جميلة موجهة للإبن مثل (ياختي عليك ربي يخليك.. ولا يحرمنيش من فرحتي بيك) بفيلم الهاربة 1958، و(سيد الحبايب يا ضنايا إنت) من فيلم (المرأة المجهولة) 1959، إلا أنها غنت (عيون ماما) لطفلة بعمر الشهور بفيلم (الستات ما يعرفوش يكذبوا) 1954، كما قدمت لنا أغنية (توحة يا طعمة يا أجمل مني) لإبنتها الصغيرة إكرام عزو عبر أحداث فيلم (امرأة في دوامة) 1962.

يا حبايبي الحلوين..

ومن فيلم (بنت الحارس) 1967 عَبَّرت فيروز وبصورة شاعرية عن أحلام بنت صغيرة (طيري يا طيارة طيري يا ورق وخيطان.. بدي إرجع بنت صغيرة على سطح الجيران).

"شوفوا خريطة مصر جميلة ازاي" أغنية في حب مصر الوطن من فيلم (ليه يا دنيا) 1994 وموظفة بأسلوب تعليمي ذكي نادر في هذا الحقل، غنتها وردة الجزائرية لإبنتها بالفيلم (هديل)، وعندما تسابق التلاميذ بتوجيه الأسئلة للمعلمة أو (الأبلة) قامت الأخيرة بتوزيع الأسئلة بالتساوي ما بين البنات والصبيان ودون تفرقة، هذا ما يشير إليه فيديو كليب (يا حبايبي الحلوين) لنجاة الصغيرة من فيلم (ابنتي العزيزة) 1971 وهي تغني للتلاميذ في دار الأيتام وفي تجربتها اليتيمة هذه كمطربة شابة تغني للأطفال.

برجالاتك..

التراث الغنائي العربي الخاص بالأطفال يحمل في مضمونه الكثير من المعاني والقيم والمرتبطة بكل مايتعلق بالطفولة وبكافة تفاصيلها مثل: الولادة والسبوع والطهور والنوم واللعب، وبالتالي يعتبر منجماً فريدا لتنشئة الطفل تنشئة صحيحة،كانت هناك بعض التجارب الغنائية في السينما تتعلق بهذا الجانب، ولكن للأسف وكما سبق كانت مقحمة هي أيضاً ضمن سيناريو الفيلم وليس من صميم الموضوع والعمل نفسه.

أغنية السبوع (برجالاتك) والتي هي من صميم التراث الغنائي المصري قدمتها المطربة شادية بفيلم (غلطة حبيبي) 1958، وأداها الفنان عبد المنعم مدبولي مع كورال الأطفال بفيلم (الحفيد) 1975، ثم المطرب حمادة هلال بفيلم (عيال حبيبة) إنتاج عام 2005.

يابو الريش..

في (الموسوعة المصريةلأغنيات الطفل) يشير الباحث مسعود شومان للأغنية التراثية (يا بو الريش انشالله تعيش) التي هي أشبه بالرُقية، وتُغنى للطفل الذي يُخشى عليه من الموت أو سبق ومات أخوة له، وبالإمكان العودة للإستماع إليها بفيلم (اّخر فرصة) 1962 بصوت فريد شوقي وهو يغنيها للطفل (طارق اسماعيل) في عيد ميلاده مع كورال أطفال وتعديل في الكلمات تماشياً مع سيناريو الفيلم : (يابو الريش انشالله تعيش.. ياللي ميلادك زيه مافيش.. الله يحميك الله يخليك.. الله يهديك م السما بقشيش).

المطربة اللبنانية هيام يونس شاركت في السنوات الأولى من عمرها بالفيلم المصري (قلبي على ولدي) وأدت بشكل جميل الأغنية التراثية الرمضانية (وحوي يا وحوي)، بالإضافة لأغنية (البوسطجي) وتضمنها (موال) من تراث الغناء الشامي القديم.

ومن فيلم بنت الحارس أيضاً غنت فيروز ومن وحي التراث (تك تك يام سليمان) و أغنية هدهدة الطفل المتجذرة في التراث أيضاً (يالله تنام ريما).

يا وابور يا مولع..

التركيز على التراث في بناء شخصية الطفل وبشكل مدروس وصحيح يعزز من حالة الإنتماء لديه ما يجعله يشعر بكيانه وشخصيته،و بالتالي التزامه تجاه قضايا المجتمع الذي ينتمي إليه، نستعرض هنا ثلاثة أعمال سينمائية عربية تتوافق مع هذه الرؤية، الفيلم الأول (لا وقت للحب) إنتاج 1963 وفي مشهد مؤثر يقرر الأطفال حماية المناضل المهندس حمزة (رشدي أباظة) من الكمين الذي أعده الجيش البريطاني للقضاء عليه، ولتحذيره من هذه الخدعة يبدأ الأطفال يرددون على مسامعه الأغنية التراثية القديمة (يا وابور يا مولع) ويتابعون الغناء (أوعى تقرب أوعى تفوت..أوعى البعبع مستنيك.. راح يتغدا ويفطر فيك!) عندها يدرك حمزة مغزى الرسالة وينجو من الكمين مسرعاً باتجاه اّخر وظهره للصغار باعتبارهم مستقبل البلد الذي سيكمل المسيرة من بعده.

الأباء الصغار..

الفنان دريد لحام قدم فيلمين اّخرين من بطولته وإخراجه وضمن هذا السياق، بفيلم (كفرون) 1990 أدى شخصية ودود الفرَّاش في مدرسة القرية ويصادق التلاميذ الذين أعتادوا أن يشاركونه أغاني التراث الشامي حين يلقيها على مسامعهم مثل أغنية (يويا)، وعندما يتهم ودود بالقتل ويتعاهد الأطفال فيما بينهم لإثبات براءته ويحققون ذلك في النهاية، وبفيلم (الأباء الصغار) 2006 استعاد دريد لحام شخصية ودود ولكن كأب هذه المرة يسعى أبناؤه للعمل بهدف مساعدة والدهم لإكمال دراسته في كلية الحقوق بناء على وصية والدتهم المتوفية وبمساعدة الباحثة أمل (حنان ترك) القادمة من مصر، والمشهد الأجمل بالفيلم عندما يشارك ودود الشامي وأبناؤه الغناء مع بنت النيل أمل مستعيدين معاً أغاني مشتركة من التراث الشامي (بالي معاك) والمصري (الحِنَّة يا حِنَّة) في إشارة لتجديد حلم الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958.

الأراجوز..

لايمكن التغاضي وبأي شكل عن الدور الذي قام به مسرح العرائس والدمى في توعية وتطوير مدارك الصغار وفي أكثر من بلد عربي، ولكن هذا على المسرح فقط وفي مواجهة مباشرة مع الأطفال وجهاً لوجه،أما في السينما فكان حضور هذا التراث المُغَنَّى محدوداً بشكل عام خاصة فيما يتعلق باستثمار عالم الدمى برؤية تتناغم مع فكرة عمل خاص بالأطفال وهذا لا يحول من الإشادة بفيلم (الزوجة الثانية) 1967، وفي مشهد تَجَمُّعْ الأطفال لمشاهدة عرض الأراجوز الغنائي،وكيف استلهمت فاطمة (سعاد حسني) من أغنية الأراجوز الفكرة للتخلص من سطوة العمدة الذي سعى لتطليقها من زوجها أبو العلا للإقتران بها رغماً عنها، والفيلم الثاني (قمر الزمان) 1967 لنجلاء فتحي تضمن مساحة زمنية جيدة للعرائس وكأنهم من أبطال العرض وكان هدف مخرج العمل حسن الإمام تقديم عمل موجه للأسرة عامة بما فيهم الأطفال، ولدقائق قليلة ظهر الأراجوز والصبية ملتفين حوله أيضاً مستمتعين بغنائه في مشهد المولد بفيلم (مولد يا دنيا) 1976.

احكي يا ابن المدارس..

ويبقى الحضور الأهم لتراث الدمى والعرائس عبر أحداث فيلم (الأراجوز) 1989 للمخرج هاني لاشين، ويحكي قصة محمد جاد الكريم (عمر الشريف) الذي يقف في وجه إبنه بهلول لمنعه من التفريط في الأرض، من هنا يبدأ الأب يروي هذه الحكاية ويغنيها لأطفال القرية بلسان الأراجوز وهو يحث الأطفال بعدم التفريط في الأرض بهذه الكلمات لسيد حجاب ولحن عمار الشريعي:

"يعني معنى الحكاية اللي يبيع في البداية.. يضيع قبل النهاية ويدوخ دوخة الولايا.. ومعنى القصة برضه اللي يفرَّطْ في أرضه.. يبقى فرَّط في عرضه وافهم يا بومخ يابس.. واحكي يا ابن المدارس"!.