عمّان - تالا أيوب

ينتهج طلبة المدارس طرقا عديدة للغش تختلف من حيث الشكل والمضمون لكنها لا تخرج عن أطرها التقليدية، واكثرها شيوعاً الروشيته (أوراق الغش الصغيرة) مكتوب عليها معلومات من المنهاج بشكل مختصر، يستعينون بها لحل أسئلة اختباراتهم.

في المقابل، يلجأ طلبة الى الاستعانة بمساطرهم، وأياديهم، وأقدامهم، أو أَدْراجهم المدرسية لكتابة بعض المعلومات والافكار عليها، فضلا عن أخرين طوعوا وسائل التكنولوجيا في الغش من خلال استخدام تقنيات هواتفهم الخلوية.

تداعيات جائحة كورونا وما قادت إليه من تعليم الكتروني، أنتجت تغييرا جذريا في وسائل الغش، فابتكر الطلاب أساليب جديدة ومنها «الغش الالكتروني» والقائمة على تحميل الطلبة صفحات المنهاج المطلوب في الامتحان على أجهزة حواسيبهم المحمولة، أو القيام بالدردشة مع زملائهم من خلال «واتساب ويب» وحل الأسئلة معا، وغيرها (...)، حتى أن بعضهم أصبح متمرسا جداً وخبيرا في الغش، والبعض الآخر اعتاد على هذه الافعال باعتبارها امراً عادياً ومشروعاً.

وترى الأخصائية التربوية والأسرية سارة الكردي أن لجوء الطلبة للغش في اختباراتهم أو الكذب على أهاليهم مرتبط بنظرة بعض الأهالي السلبية إليهم، ملقية مسؤولية مثل هذه التصرفات الى المنظومة التعليمية التي تركز دائما على العلامة بدلا من الابداع.

وتضيف في تصريح إلى الرأي: «عملية التعليم مرتبطة بالنمو والمتعلق بحصيلة المعلومات التي يحصل الطالب عليها من المعلم أو من خلال التكنولوجيا المتاحة، والتي تعد فرصة لاكتساب المعرفة ليكون قادرا على توجيه المعلومات، أو استغلالها لانتاج شيء جديد أو فكرة جديدة».

وتلفت الكردي إلى أن بعض أهالي الطلبة ليسوا بمنأى عن فكرة المنهاج والاختبار والعلامة، الامر الذي يدفعهم الى اتاحة الفرصة لابنائهم باستغلال التكنولوجيا ونظام التعلم عن بعد للحصول على العلامة التي يرجونها، فضلا عن تقديمهم الدعم اللازم للابناء لتحقيق هذه الغاية والمرتبطة بضرورة الحصول على علامة مرتفعة.

وتدعو الى عدم اعتماد الاختبارات للتقييم خلال العام الدراسي الحالي، نظرا للحالة الاستثنائية التي نعيشها حاليا خصوصا، فطريقة التعلم عن بعد جديدة وفرضتها الظروف، فضلا عن دوره المساند لطرق التعليم التقليدية في دول أخرى.

ووفق الكردي فإن التحول الى التعليم الالكتروني يعد فرصة للتغيير الايجابي للمنظومة التعليمية غير الفاعلة، والتي ربطت الأجيال بها، والتي لا تحفز المواهب على الابداع، مشددة على ضرورة أن يتم التقييم على اسس التفاعل والمشاركة بين الطلبة من خلال تفعيل خاصية الكاميرا، وأن يكون هذا النوع من التعليم مبنيا على الابداع، وتوجيه المعلومات التي حصل عليها الطالب، وتحفيزه على اعداد الأبحاث والتقارير والابتعاد عن الطرق التقليدية في التعليم.

وتشير الى ان الطالب لا يسعى الى الغش رغبة به، وإنما كون بعض الطلبة واولياء الامور كبقية الأجيال التي سبقتهم تسعى للحصول على علامة عالية، بأية طريقة، الامر الذي يدفعهم الى توجيه واستغلال مهاراتهم سعيا لتحصيل معدل مرتفع في ظل نظام التعلم عن بعد.

واجب أطراف المعادلة التعليمية

يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبه إن: «ظاهرة الغش في الامتحانات المدرسية أو الجامعية ظاهرة معروفة ومنتشرة لدى الطلبة، على مدى الزمن وفي كل مجتمع، الا أن حدتها تختلف بين الطلبة أفرادا ومجتمعات، ويسعى الطالب من خلالها أن يتحصل على علامة النجاح بأسهل الطرق وبدون عناء الدراسة والاستيعاب والحفظ.

غير أنه يلفت في تصريح إلى الرأي الى أن بعض الطلبة ممن درسوا وجهزوا وأعدوا أنفسهم بطريقة جيدة يعمدون الى الغش بغية ضمان علامة أعلى مما قد يحصلون عليه من ذاكرتهم وفهمهم للمادة التي يمتحنون فيها، وخاصة من قبل هؤلاء الذين لا يثقون بقدرتهم على التذكر أو على الصياغة، وهم ينشدون علامة تقترب من الحد الأقصى.

ووفق الغرايبة «يؤدي الغش الى احراز علامة لا تعبر عن مدى الحفظ والاستيعاب ولا تدل على القدرة الحقيقية للطالب في التعبير عن مكنوناته الذهنية والعلمية والثقافية».

ويرى ان واجب المدرسة أو الجامعة أن تحد من ممارسة طلابها للغش، ولكنها لا يمكن أن تقضي عليه نهائيا، وإنما التشدّد بالمراقبة أو بالعلامة الصفرية اذا ما ضبط الطالب يغش أثناء الامتحان، ويتضح ذلك عادة بالكشف عن الاستيعاب الحقيقي للطالب عبر المناقشات داخل الصف أو بالامتحانات الشفوية بين الحين والآخر، ومنها الفجائي والمحدد مسبقا.

ويدعو الأسرة الى القيام بواجبها باتباع أسلوبي اللين والشدة مع أبنائها، بحيث تكون حريصة على تجنيبهم الميل الى الغش وتنمية الاعتماد على الذات في التحصيل.

ويؤكد الغرايبة أن قيام الطالب بالغش بالامتحانات واحراز علامات عالية على أساسه بالمدرسة ثم بالجامعة، يولد لديه قناعة بأن ما قام به إنجاز مبهر، يمكن الركون إليه في مختلف المواقف، فيصبح ميالا إليه، ويكرره بارتياح، ويتجاوز به مواقفه التعليمية إلى الآفاق الحياتية جميعها، وذلك على شكل الغش بالمواد والسلع أو اعتماد المناورة والمراوغة في التعامل.

التقييم أنجع من العلامات

وتقول دلال شوارب شحاتيت، معلمة في مدرسة خاصة، «ركزنا خلال السنتين الماضيتين في المدرسة على اتقان الطلاب للمهارات المتعددة والتي تعد اساسا في المواد الدراسية، وعليها يبنى أساس المعلومات التي سيحصلون عليها فيما بعد». وتذكر بعض الأمثلة مثل «مهارات اللغة العربية من قراءة وكتابة وتهجئة و(...)، والرياضيات من جمع وطرح وغيرها من العمليات الرياضية (...)».

وتلفت الشحاتيت الى ان العلامة لا تؤشر على مكمن الخلل في منظومة الطالب التعليمية، وعدم حصوله على العلامة الكاملة في الاختبار، الامر الذي يتسبب بوصول الطالب الى مرحلة الثانوية العامة وهو غير مدرك لنقاط ضعفه في مسيرته التعليمية.

وتدعو جميع المدارس الحكومية والخاصة الى التوجه الى هذا النوع من التقييم أفضل من العلامات اذ تصفه بالناجح جدا ويؤدي الى الهدف المنشود في العملية التعليمية.

طرق تقنية

وحول سبل الحد من ظاهرة الغش المدرسي، تقول مديرة مدرسة خاصة في عمان يارا قسوس: «أنه تم استخدام برنامج «Exam.net» في الاختبارات المدرسية لهذا الغرض، نظرا لازدياد عدد الطلبة الذين يلجأون الى الغش من خلال الاطلاع على النسخ الالكترونية للمقررات.

وتبين أن هذا البرنامج يتيح للمدرسين مراقبة الصوت والصورة، وتنبيه المراقب في حال قيام أحد الطلبة بفتح أي صفحة الكترونية غير الامتحان من خلال ارسال ملاحظات لهم، بالإضافة الى ايقاف الممتحن عن الاستمرار في تقديم امتحانه الى حين أخذ الموافقة من المراقب للاستمرار.

وتلفت الى أن البرنامج يساعدهم في تدريب الطلبة خصوصا في المراحل العليا ممن سيتقدمون للامتحانات في الثانوية العامة، من خلال تحمل مسؤولية دراستهم، لأن هذه الظروف قد وضعت الطلبة تحت ضغط العلامة لا الحصول على المهارات والحصول على المعلومات.

ووفق القسوس ينتهج الطلبة اساليب متعددة في الغش منها الانضمام الى مجموعات خاصة بهم لمناقشة الاجابات معا، واللجوء الى نسخ الاجابات النموذجية لامتحانات دولية، فضلا عن مساعدة الأهالي لابنائهم في حل الاختبارات.

وتبين أن المدرسين يتنبهون فورا الى انها ليست الاجابات الفعلية للطلبة، كونهم قادرين على التمييز بين الطلبة المتفوقين ومتوسطي المستوى.