تلجأ بعض الشركات والبنوك في مختلف انحاء العالم الى التسريح الجماعي للعاملين عند مواجهتها لظروف اقتصادية غير مواتية كجائحة كورونا معتبرة ان ذلك وسيلة سريعة وسهلة لتخفيض التكاليف. إلا أنه ينبغي على أي شركة أن تتريث قبل أن تهرع إلى ذلك الاجراء. فقد بينت الدراسات التي نشرتها خلال الأعوام القليلة الماضية مراكز أبحاث مرموقة كشركة ماكينزي للاستشارات ومجلة هارفارد بزنيس ريفيو أن لإعادة الهيكلة نتائج سلبية كبيرة، وأن معظم الشركات التي تجنبتها خلال الأزمات حققت أرباحاً افضل من غيرها خصوصاً على المدى الطويل.

ومن أهم النتائج السلبية للتسريح الجماعي للموظفين خلال الأزمات خسارة الشركة لعدد كبير من زبائنها وتدهور سمعتها والثقة بها في الأسواق وفقدانها لكمية كبيرة من المعرفة والمهارات المهمة، والزيادة في استقالة الموظفين الاكفياء المتميزين وانخفاض ولاء الموظفين الذين يبقون على رأس عملهم وتراجع أدائهم.

وعلى ضوء ذلك تسعى كثير من الشركات العالمية لتجنب التسريح الجماعي للموظفين خلال جائحة كورونا الحالية. فمثلاً وجه الرئيس التنفيذي لشركة دلتا للطيران في تشرين الماضي 2020 نداء للموظفين لدعم الشركة فتطوع أكثر من عشرة آلاف موظف بطلب التقاعد المبكر أو الإجازات دون أجر. وبالمثل بادر الرئيس التنفيذي لشركة ساوث وست للطيران بالتبرع براتبه للشركة حتى نهاية سنة 2021 فتبعه معظم اعضاء الإدارة العليا بتخفيض رواتبهم اختيارياً وتجري حالياً المشاورات مع نقابة عمال الشركة للتخفيض الطوعي المؤقت للرواتب.

ومن الأساليب المبتكرة بخصوص الموظفين في حال تعثر أحد فروع الشركة اعطاء فرصة أولاً للمديرين والموظفين وممثلي العاملين في ذلك الفرع للتعاون وإعداد خطة متكاملة لتحسين العمل. ولقد نجح ذلك الأسلوب مثلاً في تجنب إغلاق أحد مصانع شركة ميشلان لإطارات الطائرات في فرنسا قبل عشر سنوات والذي أصبح لاحقاً من أفضل مصانع الشركة.

ويمكن أن تتجنب الشركات إعادة الهيكلة خلال الأزمات من خلال التريث ووضع خطة شاملة للقوى العاملة, ولقد أدى ذلك مثلاً إلى أن تحقق شركة هنيى ويل في العام 2011 أعلى زيادة في الايرادات التشغيلية من بين حميع الشركات الأميركية التي تأثرت بالأزمة الاقتصادية العالمية 2008/2009. وبالمثل نجحت شركة ركروت هولدنج في تجاوز الأزمة بتعيين ما تحتاجه من الموظفين بعقود عمل مؤقتة على أن تقوم الشركة في نهاية المدة بتدريبهم على المهارات التي يرغبونها وستلزمهم في عملهم القادم خارج الشركة.

ويلعب التدريب دوراً مهماً في تجنب تسريح الموظفين وزيادة الأرباح. فمثلاً أطلقت شركة اي تي اند تي في عام 2011 برنامجاً واسعاً للتدريب حسب خطتها الاستراتيجية 2020 وذلك عوضاً عن اي استبدال جماعي لآلاف الموظفين. ونتيجة لذلك زاد دخل الشركه بنسبة 17% بعد مرور 18 شهراً من إطلاق البرنامج وانخفض الوقت اللازم لتطوير المنتجات بنسبة 40% وتم اختيار الشركة ضمن المئة شركة المفضلة للعمل.

وفي كل الأحوال تبين الدراسات أنه يمكن تخفيف التأثيرات السلبية على أعمال الشركة نتيجة لأي اجراء قد تضطر لاتخاذه بخصوص العاملين خلال الأزمات إذا برهنت إدارة الشركة على التزامها بثقافة الشركة وقيمها واهتمت بالتواصل المكثف والشفاف مع الموظفين وإذا شعر الموظفون أن الاجراءات المتخذة قد تم تطبيقها بشكل نزيه وحيادي، وأن الشركة كانت مضطرة إليها لأسباب قاهرة أو استراتيجية، وأنها قد استنفدت أولاً جميع الجهود الاخرى لترشيد التكاليف.

yacoubshaer@hotmail.com