الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الاجتماع

جلست صامتة في أبعد صحراء، تحدّق في الأفق، وترغب في لا شيء، سوى أن تنظر إلى داخلها بعين صادقة، وتستعيد الزمن الذي انساب من بين يديها على غفلة منها، وفي الأثناء قفزت تلك الطفلة التي كانت بالأمس تلاعب الدُمى، وتداعبها أحلام الحياة، فأيقظت فيها مكامن الألم، وحركت في قلبها المُثقل ألف سؤال، كانت مغمورة بالأسى، وكلّ ما فيها مكسور، وكان الرجاء أبعد ما يكون عنها، فلطالما صرخت مستغيثة، حتى لم يعد صوتها يخرج من صدرها، وكأنّ الدنيا صمّت آذانها، وكأن العالم لفظها من إحساسه، وها هي تجلس على قارعة العمر، تنتظر محطة القطار الأخيرة، بعد رحلة بلا معنى، فهي لم تذق يوماً طعم الكرامة، ولم تختبر مرة شعور السيطرة. كانت دائماً موجَّهة عن بًعد مثل الروبوت، فلم تقرر مصيرها يوماً، حتى هجرها المصير، وضاعت كينونتها، واختفى صوتها إلّا من أنين مكبوت كبر،كان خامدا، وتلاشت ملامحها حتى عن مرآتها، ولم يبق في ذاكرتها سوى تلك الكدمات المزرقة التي لم تكد تشفى، حتى تعاود الظهور، حتى كلمات التحقير كانت مصرّة على طرق زجاج الذكريات الهشّة، فتلقي بها في واد سحيق من الموت بين الأحياء. لم يكن في الكون ما هو قادر على بعثها من جديد في هذه الحياة، لكنها نوبات الأمل التي يصطحبها الإيمان ؛ تنتابها دون أن تقصد، فتتخلل وجهها الشاحب، فيضيء لبرهة قبل أن يعاودها الواقع بضرباته الموجعة، فيلقيها حطاماً على أطراف تلك الصحراء.

فأيّ رجولة تلك التي استقوت بذراع الذكورة على ذلك الجناح الليّن، وأيّ بطولة تلك التي استحقها الرجل الذي لم يعي معنى الأنوثة، فاغتالها مختالاً بسكين فكره المُعوّج، وأي نقص ذلك الذي يُستكمَل باستضعاف أنثى، وامتهان كرامتها، وكأنّ دستوراً من حطام تمّ إقراره في مجالس شُيَّدت من بقايا الجهل وطفولة ملتوية.

صورة من خلف جدار الإنسانية، تلتقطها عيوننا يومياً، ونستمر بعبور الرصيف، مخلّفين وراءنا ركاماً يتعاظم حجمه يومياً، نحسبه حصى صغيرة تتناثر على الطريق، وهو جلاميد هائلة تربض على أنفاس المجتمع بأسره، نساء معنّفات، وأخريات ضمهنّ التراب باسم الشرف، أسر مفككة، وأطفال تتشوّه طفولتهم يومياً، والأغرب أن تكون المشكلة عابرة لجغرافيا الأرض، ومستقرة في صميم العقل البشري على اختلاف الاعتقادات والثقافات، فلا يكاد مجتمع يخلو من تعنيف المرأة والإساءة لها. وبالرغم من الشوط الطويل الذي قطعته المنظمات الإنسانية، وبالرغم من التشريعات التي أقرت حقوق المرأة، وعملت على حمايتها من العنف، إلّا أنّ المشكلة ما زالت موجودة، بل إنها تتخذ منحنى حادّاً في فترات الأزمات وازدياد الضغوط، ولهذا فقد أطلقت الكثير من المنظمات العالمية، العديد من المبادرات الساعية لوقف العنف ضد المرأة، وهو ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة لتخصيص يوم 25/ تشرين الثاني من كلّ عام ؛ يوما دولياً لمناهضة العنف ضد المرأة، هادفة إلى رفع مستوى الوعي العالمي حول هذه القضية.

والعنف سلوك يؤدي إلى الأذى، أو يهدف إليه، وهو يتخذ ضد المرأة أشكالاً تتفاوت بين العنف الجسدي الذي يُعتبر أكثر أشكال العنف وضوحاً، ليرتبط به تلقائياً العنف اللفظي، فتكون النتيجة عنفاً نفسياً ينتج عن تضاؤل حجم ثقة المرأة بنفسها، أو التقليل من شأن قدراتها، كما أن محدودية قدرة المرأة على الحصول على الأموال، والتحكم في مستوى حصولها على الرعاية الصحية، أو التعليم والعمل، إضافة إلى عدم مشاركتها في اتخاذ القرارات المالية، يُعتبر عنفاً يًدرج تحت النوع الاقتصادي منه.

والحقيقة أنّ سلوك العنف يأتي مدفوعاً بعدد من العوامل ؛ إذ يُعتبر تدني ضبط النفس، والعجز عن مواجهة المشاكل بروية وهدوء، من الأسباب الذاتية التي ينتج عنها شخصية تميل إلى انتهاج العنف أسلوباً في التعامل، كما أنّ سلوك العنف يرتبط بظروف النشأة منذ الطفولة، فنموّ الطفل في بيئة أسرية مفككة، ضعيفة الروابط، تخلو من التوجيه والإرشاد، ويتعرض فيها الطفل للإيذاء البدني والنفسي، ويشاهد فيها ممارسات العنف بين والديه، تشكّل جميعها فرصة كبيرة لاتباع نهج العنف في المستقبل، كما تؤثر التربية الخاطئة في الإغداق على الطفل واتباع أسلوب الدلال الزائد في تنشئته ؛ في بروز خصال الأنانية، والتكبّر، وضعف مهارات التواصل وبناء العلاقات الاجتماعية على نحو يقدّر الآخر، ويحترم احتياجاته.

كما يلعب ضعف أو غياب عامل التوجيه الديني؛ أثراً بالغاً في سلوك العنف ضد المرأة كزوجة أو ابنة، وربما اتجاه المرأة بشكل عام، وإذا ما أضيف فقدان الوازع الديني كمصدر للقيم، إلى وجود بعض المعايير الثقافية المجتمعية التي تُحدد فرص المرأة في العمل والتعليم، وذهاب بعض الآراء نحو تسويغ العنف ضد المرأة، بل واتهامها بالتسبب في تعرضها للعنف، لإستفزازها الرجل وإثارة غضبه ؛ وإعطائه الحق بضربها وتوبيخها لتأديبها، سيمنح الشرعية بشكل غير مباشر لهذا السلوك.

إضافة إلى ما يساهم به الدافع الاقتصادي من ضغوط الحياة، لا سيّما في فترات الأزمات التي تُفقَد فيها الوظائف، وتتدنى فيها الأجور، ما يهيئ لمشاعر الغضب، وفقدان الضبط الانفعالي الذي ينتهي بسلوك العنف، فقد أثر فيروس كورونا على الجميع دون تمييز، وأكثر ما يُخشى أن تتحمّل الفتيات والنساء الوزر الأكبر لتبعات هذه الجائحة، فقد ازدادت معدلات العنف الأسري في العالم كله ؛ نتيجة إجراءات الإغلاق الشامل والجزئي والتعايش القسري، وتصاعد حدة التوتر بين أفراد الأسرة بسبب انعدام الأمن الغذائي، والمخاوف من التعرض للعدوى، الأمر الذي ساعد على زيادة أعداد النساء المعنّفات، وأوجد صعوبة في طلب المساعدة أو تلقّيها خلال الجائحة، كما أنّ عمل الكثير من النساء في مجال الرعاية الصحية زاد من فرصة تعرضها للإصابة بالمرض، الأمر الذي أثقل عليهنّ جسدياً ونفسياً، كما ساعدت ظروف الإغلاق على فقدان العديد منهنّ مصدر الدخل أو الاقتطاع الحاد منه، وهو ما وضعَهنّ في إطار العنف الاقتصادي، وتبعاته الاجتماعية والنفسية، إضافة إلى تفاقم حجم الأعباء المُلقاة على كاهلها ضمن الصورة النمطية التي تحصر مهمة تقديم الرعاية في المرأة غالباً، فأعمال المنزل، وممارسة الدور الوظيفي، ومتطلبات العناية المنزلية، وإجراءات مواجهة المرض والوقاية منه، ورعاية كبار السن، أو الأفراد المصابين في المنزل، وتوفير بديل لرعاية الأبناء بسبب إغلاق دور الحضانة، والقيام بأعباء تدريس الأبناء بسبب إغلاق المدارس، جميعها تُعتبر عوامل تضغط بعنف على نفس وجسد المرأة، وتهدد الجهود التي بُذِلَت لعدة عقود، وقد يعود بها كورونا إلى الوراء بمسافات شاسعة.

ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه بعض أعمال الدراما التي تصوّر العنف كسلوك مقبول، وتصدره إلى أذهان الأطفال عبر بعض البرامج والأفلام والمواد الإعلامية المختلفة، وهي تكرّس لصور نمطية عن الصراع بين الرجل والمرأة على السلطة، واختزال معاني الرجولة في ضرب المرأة ومعاملتها بعنف وامتهان، وحرص بعضها على إظهار المرأة الأكثر حظاً على أنها مُخِلّة بمنظومة القيم، وتتمرد على قواعد المجتمع، وتُعلي بالمقابل من قيمة المرأة المغلوب على أمرها، والصابرة على ما تُلاقي من ضروب العنف في سبيل بقاء أسرتها، وهو ما ينعكس في صمت نسبة من المعنفات في الواقع، حيث تنتهي مشكلة 70% منهنّ بحلول اجتماعية مُسَكِّنة، وعدم اللجوء للجهات المختصة.

كما أنّ المجتمع في نسبة منه يعاقب المرأة بسبب مطالبتها بالمساواة مع الرجل، وإرساء حقوقها في كافة التشريعات، إذ تُشير تقارير إلى أنّ اقتحام النساء للمجال العام من خلال الدراسة أو العمل، ولّد مقاومة مُقنّعة وغير مُعلَنة من قبل بعض أفراد المجتمع، فظهرت أنواع من العنف الذي يُمارَس ضد المرأة خارج دائرة الأسرة في الأماكن العامّة، بشكل لفظي، أو نفسي، أو جسدي، أو جنسي، أو إداري، أو مؤسسي.

وعلى الرغم من وجود المواد الدستورية، والنصوص الشرعية و التشريعية، والكثير من القوانين والمعاهدات المُصادق عليها، وما يترتب عليها من إجراءات وتدابير ؛ إلّا أنّ الواقع ما زال يتصادم وهذه القوانين والتشريعات، ويقاوم تطبيقها، ما يكشف عن تأخر في وتيرة تطوّر الأذهان والقناعات والممارسات، عن السرعة التي تطوّرت فيها النصوص التشريعية.

إنّ امتهان المرأة، وتعريضها للضرب، والإمعان في تهميش وجودها، يُفقدها الشعور بإنسانيتها، ويُخّفِض مستوى تقديرها لذاتها، وإلى جانب ما يلحق بها من آثار صحية ناجمة عمّا تعاني من آلام الضرب، فإنها تواجه آلاماً أشدّ في نفسها، والتي تبدو عليها من خلال مظاهر القلق والاكتئاب، والرغبة في اعتزال الاخرين، وإهمال نفسها، و عملها، وأطفالها، وقد تُنهي مأساتها بالانتحار في بعض الحالات. لذا فإنه ينبغي بذل المزيد من الجهود للتصدي للعنف ضد المرأة، بدءاً من المناهج الدراسية، واتباع الخطط الاقتصادية التي تمكّن المرأة، وتساعدها على تعزيز دورها في المجتمع، وتفعيل استراتيجيات المساواة بين المرأة والرجل، وتنمية مهارات التواصل بينهما، وتنفيذ البرامج التي تُمهّد لتكوين الأسرة، وعقد دورات تدريبية إلزامية للشباب المُقبل على الزواج لتعريفهما بأصول العلاقة الزوجية، وتثقيفهما بالنصوص الشرعية والتشريعية الخاصة بذلك، وتدريبهما على كيفية مواجهة مواقف الخلاف، وكيفية حل النزاعات، وكما تواجه الدول كافة أشكال السلوكيات السلبية كالتدخين والإدمان، فإنه ينبغي تصويب ثقافة المجتمع الخاصة بنوع الجنس، وتنمية استجابة القطاع الصحي لحالات العنف، كذلك يجب تصحيح مسار الأعمال الدرامية ووسائل الإعلام المختلفة، بالتركيز على قيم الرحمة، وأدب الحوار، واحترام المرأة وتقديرها، والابتعاد عن المبالغة الهادفة إلى اجتذاب المشاهدين.

ربما يكون من التكرار القول بأنّ المرأة هي الأم والزوجة والأخت والابنة، وبأن الرجولة ليست على صراع أزلي مع الأنوثة، فهنّ كلّ المجتمع، وعليهنّ يُعقد الأمل، وإنّ استقامة خط الحياة، وتوازن مركبها؛ لن يتأتى بكسر الضلع الأهم في جسم المجتمع.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Co