عمان - شروق العصفور

قال الكاتب منير الهور الزميل إن أدب الأطفال يعدّ ضرورة وطنية وشرطاً لازماً من شروط التنمية الثقافية المنشودة، لا بل إن تنمية ثقافية تتجاهل أدب الأطفال أو تهمله ستكون تنمية ناقصة وتفتقر لجذورها.

وأكد الهور في حوار مع «الرأي»، أن أدب الأطفال سبيل لا غنى عنه لتسريع عملية التنمية الثقافية، الأمر الذي يتطلب بذل المزيد من الجهد لتأهيل أدب الأطفال وتدعيمه في التربية والمجتمع، مشدداً على أن هذه الجهود لا تتوقف عند نشر كتاب أو مجلة أو بث برنامج إذاعي أو تلفزيوني، وإنما تحتاج إلى تخطيط شامل يراعي خصوصيات أدب الطفل وينهض بمسؤولياته.

وأوضح الهور الذي صدر له العديد من القصص المصورة للأطفال، إلى أن عام 1979 (العام الدولي للطفل)، كان بداية الانطلاقه لأدب الأطفال في الأردن، إذ أولى الأردن دولةً ومؤسساتٍ حكومية وخاصة هذه المناسبة اهتماما كبيرا، فبدأت تظهر برامج الأطفال في الإذاعة والتلفزيون، وظهرت العديد من مجلات الأطفال مثل «سامر» و«فارس» و«أروى» و«وسام» و«براعم عمان» و«حاتم» وغيرها، ثم اهتمت الصحف اليومية بالأطفال؛ فأصدرت صحيفة «الدستور» ملحقا أسبوعيا أسمته «أزهار الدستور»، ثم أصدرت صحيفة «$» ملحقا أسبوعيا أسمته «براعم $»، كما أصدرت صحيفة «الشعب» ملحقا مماثلا. وظهرت الكثير من الجمعيات التي تهتم بثقافة الطفل مثل: الرابطة الوطنية لتربية وتعليم الأطفال، ومركز هيا الثقافي، ومؤسسة نور الحسين، وجمعية أصدقاء الأطفال، وأُعلن عن الكثير من المسابقات والجوائز الأدبية لكتاب الطفل. وبدأت بواكير مسرح الطفل، واستحدثت وزارة التربية والتعليم قسما لأدب الأطفال في الوزارة، وأنشأت وزارة الثقافة مديرية لثقافة الطفل، واستحدثت وزارة التعليم العالي تخصص أدب الطفل في الجامعات.

ولفت الهور إلى أن عدد الأطفال القراء بلغ حوالي مليوني طالب وطالبة بحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم، يتوزعون على أكثر من 6140 من المدارس الحكومية والخاصة والتابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين ومدارس الثقافة العسكرية.

وعن الجهات المعنية بأدب الأطفال وثقافتهم، أوضح الهور أنها تتوزع على أكثر من وزارة ومؤسسة ودائرة وناد وجمعية، وأن طبيعة عمل هذه الجهات هي العناية بالطفل من خلال توفير الكتب والمجلات والأغاني والمسرحيات. ومن أبرز هذه الجهات: وزارة الثقافة، وزارة التربية والتعليم، وزارة الشباب والرياضة، وزارة التنمية الاجتماعية، وزارة الصحة، وزارة الداخلية، وزارة الإعلام، وزارة الأوقاف، القوات المسلحة الأردنية، أمانة عمان الكبرى، مؤسسة شومان، مؤسسة الملك الحسين، الاتحاد العام للجمعيات الخيرية، الاتحاد النسائي الأردني، البلديات، مركز هيا الثقافي، رابطة الكتاب الأردنيين، اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، الجمعية العلمية الملكية، جمعية قرى الأطفال (SOS)، الصحف اليومية، صندوق الملكة علياء، الجامعات.

وعلى صعيد التعامل المباشر مع الكتاب، بيّن الهور أن عدد المؤسسات المعنية بالنشر والتوزيع بلغ 492 دارا تنشر ما نسبته 82% من إجمالي الكتب والمجلات، في حين بلغت نسبة ما تنشره المؤسسات التربوية والثقافية والأكاديمية حوالي 18%.

وأكد الهور أن العديد من الآباء والمربين يعتقدون أن ما تقدمه القراءة من فوائد تعد دافعا كافيا لإثارة اهتمام الطفل بالكتاب، وكأنهم يتصورون أن الطفل يدرك أنه إذا قرأ فإن ذلك سيفتح أمامه أبواب المعرفة، وأن اقتناعه بهذه الفوائد سيدفعه للإقبال على القراءة، لكن ما أبعد هذا التصور عن الواقع، فالطفل لن يقتنع بفائدة القراءة إلا إذا قرأ، ولن يقرأ الطفل إلا إذا وجد دافعا يجعله حريصا على الكتاب، وبذلك فإن الطفل لن يقرأ الكتاب اقتناعا منه بفائدته، لكنه سيقبل عليه إذا أحبه ووجده مصدر متعة وتسلية. والأمر في هذا المجال يشبه إقبال الطفل على اللعب والألعاب، فهو لا يلعب اقتناعا منه بفائدة اللعب لنموه وصحته، وإنما لأنه يجد في اللعب متعة وتسلية.

وعن علاقة الطفل بالكتاب، قال الهور: «لكي تنشأ هذه العلاقة بين الطفل والكتاب، لا بد أن تتوافر في الكتاب عناصر جذب وتشويق تشد الطفل إلى الكتاب، بعضها يتعلق بشكل الكتاب مثل شكل وألوان الغلاف والرسومات وحجم الحرف المطبعي وأسلوب إخراج الكتاب، وبعضها الآخر يتعلق بالمضمون مثل موضوع الكتاب وأسلوب الكاتب واستخدام قاموس الطفل اللغوي».

وبحسب الهور، فإن نظرة سريعة على المطبوع من كتب الأطفال تؤكد أن ما قدمه كتاب الأطفال في الأردن من إسهامات أدبية في حقول الشعر والقصة والرواية والمسرحية والأغنية والحكاية شكل عنصرا مهما في بلورة ثقافة عربية معاصرة ينهل منها الطفل، ويجد فيها ما يساعده على فهم ذاته وإدراك ما حوله من ظواهر طبيعية وإنسانية وإجتماعية.

وقال الهور إن الساحة الثقافية الأردنية برزت فيها مجموعة من كتاب الخيال العلمي مهدوا بكتاباتهم عن الكمبيوتر والذكاء الصناعي والأقمار الصناعية وحرب النجوم لتمكين الأطفال من استيعاب هذه الأمور وإدخال التكنولوجيا الحديثة في ذاكرتهم الثقافية.

وأكد الهور أن كتاب الأطفال في الأردن يتحملون مسؤولية حضارية تجاه الأطفال الذين انشغلوا عن بيئتهم وتراثهم وهموم مجتمعهم بقيم واتجاهات ومفاهيم وأفكار أجنبية يقوم معظمها على العنف والقتل وتمجيد الرجل الخارق، لهذا تصدى كتاب الأطفال بكتاباتهم للحفاظ على الهوية العربية في مواجهة ما تقدمه الفضائيات والإنترنت وأفلام الكرتون من قصص وحكايات، واستطاع الكاتب الأردني إيصال رسالته إلى الأطفال بلغة عربية بسيطة وسهلة ومعبرة.

وما تجدر ملاحظته في هذا السياق وفقاً للهور، أن معظم المطروح من كتب الأطفال قد جاء نتيجة جهود فردية بعد تراجع دور المؤسسات الرسمية، ذلك أن الجهات التي تقوم بإصدار كتب الأطفال تكاد تنحصر بوزارة الثقافة بعد توقف الدائرة الثقافية في أمانة عمان، وما تنشره الوزارة قليل في ضوء أعداد الكتاب الكبيرة وإصداراتهم الكثيرة. وبسبب ضعف إمكانات دور النشر فإن عملية النشر «تخضع لمساومة مزعجة» بين الكاتب والناشر، غالباً ما تنتهي بمساهمة الكاتب في تكاليف عملية الطباعة وفي أحسن الأحوال يتنازل عن حقوقه المادية.

وبيّن الهور أن عملية التوزيع من أبرز العقبات التي يواجها الكاتب والناشر معاً، مما يحد من انتشار الكتاب بشكل عام وكتاب الطفل بشكل خاص. ولفت إلى مشتريات المكتبات العامة ومشتريات الدوائر والمؤسسات الحكومية لا تُجاوز 20% من الكمية المطبوعة من أي كتاب، وأن عبء تسويق الكمية المتبقية يُلقى على عاتق الكاتب والناشر.

وأكد الهور أن الكاتب الأردني استطاع أن يكرس نفسه محليا وعربيا على الرغم من الصعوبات في الطباعة والتوزيع، فلا تكاد تخلو مجلة أو فضائية أو مسلسل أو برنامج أطفال عربي من أقلام وكفاءات أردنية. والدليل على ذلك هذا الكم من الجوائز التي يحصدها الكتاب الأردنيون عربيا. ورأى في الحضور العربي للكاتب الأردني تطورا طبيعيا للنجاح محليا، راداً هذا النجاح إلى «الجهود المبذولة في مجال التوعية بأهمية القراءة التي لعبت دورا في استنهاض الهمم وتشجيع الإبداع والارتقاء بكتاب الطفل».

وأكد الهور أن الأسرة تلعب دورا بارزا في مجال ثقافة الطفل، لكنها ما زالت تواجه الكثير من المشاكل التي تمنعها من القيام بدورها، لهذا لا بد من زيادة الاهتمام بالبرامج الإعلامية للأسرة، وزيادة وعي الأسرة بأهمية توفير وسائط الثقافة للطفل من كتب وأفلام وتنمية عادة القراءة. مضيفا أن للمدرسة أيضا دورا تأسيسيا في مجال ثقافة الطفل، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى الإمكانات التي تتيح لها استخدام وسائل الثقافة بشكل فعال مثل المكتبة المدرسية والكمبيوتر والإنترنت.

وقال إن مديرية المناهج والكتب المدرسية تنشر في المناهج أعمالا إبداعية لكتاب أردنيين وعرب، لكنها تكتفي بوضع اسم الكاتب في نهاية النص دون تعريف به، داعياً إلى تخصيص بضعة أسطر للتعريف بكل كاتب.

وأشار الهور الذي أشرف على العديد من الورشات الإبداعية للأطفال، إلى أن طباعة كتاب جيد للطفل من حيث الشكل والمضمون مع توافر عناصر الجذب والتشويق، تجعل كلفته مرتفعة وبالتالي لا يستطيع معظم الأطفال الحصول عليه، مضيفا في هذا السياق: «نتطلع إلى جهة حكومية تتولى إصدار كتب جيدة وتوفيرها للأطفال بأسعار مناسبة، مع تقديرنا لجهود وزارة الثقافة ومشروع مكتبة الأسرة في الوزارة التي تصدر سنويا عددا لا بأس به من كتب الأطفال، لكن ما هو جاهز للنشر لدى الكتاب يفوق بعشرات الأصناف ما تصدره الوزارة، ونظام النشر في الوزارة ينص على مرور ثلاث سنوات ليتاح للكاتب طباعة كتاب جديد».

وختم الهور، حديثه بالقول: «ما أحوجنا إلى حركة نقدية جادة تحاكم العمل الأدبي بعيدا عن شخص الكاتب، تساهم في تعزيز الإبداع وتجويده، فما هو موجود حاليا هي عملية مجاملة وتبادلية ومديح للكاتب بعيدا عن النص».