لو كانت المناصب هي التي تصنع مكانة الإنسان, وتُخلد ذكره, لتساوى كل من شغل منصباً ما, ولم يتميز إنسان عن إنسان شغل نفس المنصب وتمتع بنفس الصلاحيات, لذلك فرقت العرب بين الرجال الذين يكبرون بالمناصب, والرجال الذين تكبر بهم المناصب, ومن هؤلاء الشهيد الحي وصفي التل, فبماذا تميز وصفي ليظل حاضراً في يوميات شعبه رغم أن رصاص الغدر غيب جسده منذ نصف قرن؟.

الإجابة على هذا السؤال, تحتاج إلى دراسة مكونات شخصية الرجل, التي أول ما يطالعك منها الإصرار والعزيمة, وهي صفة تجعل صاحبها لا يستسلم للظروف, ولا يتذرع بقلة الإمكانات, ليتقاعس عن تحقيق مشروعه, وهو بالضبط ما فعله وصفي صاحب مشروع التحرر القومي, الذي آمن به منذ بواكيره الأولى, واستعد له بكل ما توفر له من إمكانات, وسلك إليه كل السبل المتاحة, فأعد نفسه إعداداً عسكرياً جعل منه قائداً عسكرياً فذاً من الناحيتين النظرية والعملية, تشهد على ذلك معاركه في الجليل ورفضه الهدنة وإصراره على مواصلة القتال, رغم معرفته الأكيدة بقلة إمكاناته المادية, مؤمناً بأن حُسن التوظيف مع التسلح بالإرادة وحُسن التخطيط هو السبيل للتغلب على قلة الإمكانات, وهي قناعة رافقت وصفي حتى آخر لحظة من عمره, لذلك لم يتردد في أن يخوض كل معارك وطنه وقيادته, مؤمناً بأن الأردن وطن دور ورسالة, يجب القيام بأعبائهما وهو إيمان رفد ولاءه لمليكه ولدور آل هاشم في تحقيق مشروع النهوض العربي, لذلك ناطح وصفي بقيادة الحسين كل الذين حاولوا تهميش الأردن الدور والرسالة, غير مكترث بقلة الإمكانات قياساً إلى إمكانات خصوم الأردن من عرب وعجم.

ومثلما آمن وصفي بالإرادة وحُسن التخطيط للتغلب على قلة الإمكانات فقد آمن أيضاً بدور الخُلق في بناء المجتمع القوي القادر على كسب معركة التحرير, ببعديها تحرير الإنسان كمدخل لتحرير الأوطان, وإيمان وصفي بالخُلق زوده بقدرة عجيبة على البحث عن الكفاءات واستقطابها وتوظيفها في خدمة المشروع الوطني, كجزء من المشروع القومي, والوقائع والشهادات كثيرة عن بحث وصفي عن الكفاءات واستقطابها, وكلها تدل على ثقة الرجل بنفسه, وإخلاصه لوطنه وقيادته, وسعيه لحشد جميع الإمكانات والخبرات لخدمتهما, لذلك كانت فرق عمله تضم جميع الأطياف الفكرية والسياسية والعرقية والجهوية, فقد كان يؤمن أن في هذا الوطن متسعاً للجميع, وأن إتاحة الفرصة أمام الناس هي السبيل لاحتواء من كان معارضاً منهم, لذلك كان عوناً للحسين في فتح الأبواب للمعارضة ودفعها للانخراط في مسيرة بناء الدولة والوطن, على غير ما يفعله من لا يثقون بأنفسهم فيمارسون إبعاد الكفاءات من خدمة وطنها وقيادتها, وهذه قمة الخيانة للوطن وقائده, وهي خيانة لم يمارسها وصفي لذلك تميز.

Bilal.tall@yahoo.com