وسط الوباء والبلاء الذي عمّ يعمّ بني البشر في أنحاء العالم, وسط انشغال الدّنيا في مقاومته مكافحته..هزيمته, وسط الانشغال إلى حدّ التماهي بمحاولة إيجاد لقاح يقي البشرية من شراسة هذا الفيروس الحقير في حجمه الضّعيف في انتشاره, من تقف في وجهه تشلّه قطعة من قماش تمنعه توقفه عند حدّه, وسط هذا كلّه؛ لم ينشغل القوم المحتلون في فلسطين عن الفلسطينيين الذين يسببون لهم وجع الرأس والقلب والفشّة والطحال. يسببون لهم الرّعب في جهادهم في قولهم وحتّى في صمتهم. الصّمت أحيانا كثيرة يؤذي القلب والسّمع، يكون مقدّمة للهدير. الفلسطينيون في أرضهم يقاومون المحتلّين دوما..بشتّى السّبل. لا يهاب المحتلّ شيئا في الدنيا بقدر رعبه من طفل يسير مقتربا من حاجز ينصبونه فجاءة, فيه جنود مرعوبون. مسامير أمان بنادقهم دوما في حالة ارتخاء بقدر حالة الشّد في أعصابهم.

هؤلاء المرعوبون رعب من سرق أرضاً اغتصب مُلكاً, قتل نفوسا بريئة؛ لا ينامون الليل. هم الوحيدون في الدنيا الذين لا ينامون, ومن لا ينام عادة, هم المأزومون المرضى خليي الضّمير, من يتوقّعون أبدا طرق أبوابهم من قبل من له ثأر لسرقة أرتكبوها, لغصب، اغتصاب, قتل أبرياء مقاومين دفاعا عن أرضهم عرضهم وبساتين البرتقال والليمون والدوالي تتسلّق السماء والزيتون على ربى الجبال في بلادهم.. فلسطين.

من نافلة القول أنّ القاتل المغتصب أرضاً.. حقاً؛ يعيش موتا وهو يحيى, رعباً من ظلّ من قتله والسارق كذا والمحتلّ كذا. تنام الدنيا جميعها وهم صاحون أياديهم على ديكة بنادقهم في انتظار شهيد يمرّ طيفه فيصيبونه في مقتل. طلقاتهم قد صمّمت بحيث تقتل.. من أجل القتل. هم لا يريدون سجناء..فلا مكان في سجونهم الكبيرة لمناضلين جدد. السجناء يصيبونهم بوجع الرأس دائما. هم يخشونهم من خلف القضبان فلا تعرف السجين من السجناء.. هناك.. الجميع خلف القضبان. التعليمات لديهم بالتصويب على القلب أو الرّاس, فقلوب ورؤوس هؤلاء المشاغبين الفلسطينيين هي من يقلقهم في.. صلابتها وصمودها..راسهم يابس بقدر صلابة الصخر في عيبال والكرمل وكلّ الجبال. لا تمرّ ليلة ألّا ويعتقلون عشرة عشرين ثلاثين من شباب وصبايا فلسطين..هكذا. وردت أليهم وشاية من دواسيسهم, أو حتّى بدون, هو برنامج معدّ. لا يمرّ صباح ألّا ارتقت شهيدة أو شهيد من سنّ التاسعة حتّى التسعين برصاص يملؤه الرّعب بيد مرعوبة من قلب مرعوب.

هو برنامجهم اليومي. واليوم رداءاً.. الليل والنهار. هم لا يعرفون الليل من النهار لكن.. يفضّلون الليل فهو يخفي سوادهم في عتمته. في العادة المجرّد من السلاح يخاف يهاب من يحمل السلاح القاتل؛ إلّا في فلسطين المحتلّة؛ فحاملو السلاح مرعوبون من العزّل الذي كلّ واحد منهم مشروع أسير أو شهيد. أهل فلسطين ينامون ملء العين مطمئنون بثرى بلادهم وتحت أشجار الزيزفون والصنوبر و..الزيتون وفي ظلال كرامتهم وشجاعتهم تضحياتهم, والمرعوبون يقتلون..هكذا.. يأسرون.. هكذا تأبّط شراً. لا ينامون. لأنهم ببساطة الحقيقة.. هم المرعوبون.