زمان أطلق التلفاز أغنية جديدة للمطربة (كلوديا الشمالي), ربما قبل أكثر من (25) عاماً ومازلت أذكرها جيداً: (تنطرني على غلطة شهور وانت بغلطاتك مشهور).. كانت تمثل ثورة في عالم الغناء, القصة ليست في اللحن أظنه كان رديئا, وليس في صوت المطربة فقد كان عاديا، والكلمات عادية.. لكن كلوديا كانت جميلة وترتدي في الأغنية فستانا أحمر قصيرا.

المشهد كان غريبا, ففي ذلك الزمن لم تكن الفساتين قصيرة إلى هذا الحد.. وكنت في المساء غالبا وحين تعرض الأغنية، يعلق أبي على المشهد قائلا: (لويه هيه)... وأنا أرد عليه: (انداري هم هيه مو زينا)...

كانت جملة (لويه هيه) تختصر المشهد الخادش للحياء العام, وتعني اعتراضا على إدارة التلفاز, تعني أيضا أن الأمر لا يجوز.. وتعني أيضا نقدا حادا لإدارات الإعلام, تعني أشياء كثيرة...

مع ذلك كنا نشاهد الأغنية حتى نهايتها، وبالطبع الأغنية غير مقنعة.. لكن (كلوديا) كانت مقنعة جدا..

أبي لم يغير الجملة, أكثر من عامين وهم يبثون الأغنية على التلفاز.. وكانت (لويه هيه) تختصر المشهد, ولم تكن خاصة بكلوديا الشمالي فقط, ولكنه ذات يوم اعترض على (عمرو ذياب) كان يصاحبه في الأغنية فرقة رقص, ونظر باشمئزاز وقال جملته, وأنا فهمت أنه اعترض على طريقة لباسهم.. وأجبته: (هم هيه.. مو زينا)..

لم يفهم أحد الشيفرة السرية الخاصة بالرفض غيري, ذات يوم أجرى عملية دسك.. وكان خارجا من التخدير للتو، والطبيب يكلمه.. لكنه رمقني بنظرة وقال: (لويه هيه).. أنا فهمت أنه يريد رفع الوسادة قليلا, فرفعتها.. وحين سألني الطبيب مستغربا: كيف عرفت بالأمر أجبته, بأنه طلب ذلك.. وأنا فهمت من جملته أنه طلب ذلك.. هو ليس مطلوبا منه أن يقول: ارفع الوسادة, فقط عليه أن يقول (لويه هيه) متعددة الاستعمالات, وأنا علي أن أفهم المغزى.

الوحيدة التي مرت على شاشة التلفاز ولم يعترض عليها كانت: (سميرة توفيق).. فحين تظهر كان يفرد ابتسامته, ويشعل سيجارته.. كنت أشعر أنه يتمنى لو يفتح التلفاز ويدخل كي يشاركهم الحفلة...

أحيانا الغناء الرديء, لايختلف عن الإعلام الرديء.. لأن الغناء الرديء مجرد ثرثرة ويتم التعويض عن فقر الكلمة ونشاز اللحن باللباس الفاضح, والإعلام الرديء يتم التعويض فيه عن المحتوى والوعي بالصوت (الدلوع).. أو ما نقول عنه بالعامية (الغنج والمياصة)..

ولا نملك إلا أن نقول: (لويه هيه)..

أنا أخطط لإنشاء حركة سياسية تحمل اسم (لويه هيه).. فقد تعبنا من الشرح والسرد، لم يعد من أحد يستمع لنا..