حتى يعود الإعلام الأردني إلى ألقه وسطوته ووظيفته التي أكلت منها التكنولوجيا وأشياء أخرى، الشيء الكثير، فإنه كما تقول الإعلامية الرائدة جمان مجلي، يحتاج إلى ثلاثة عناصر لم تذكر بينها عنصر الإرادة.

فهي تتحدث عن إعلام رسمي عايشته أربعة عقود في ذروة إبداعه واختراقاته التي تركت إرثا من العزّ يستذكره أهله بخليط النشوة والحسرة.

نشأت وتربت جمان مجلي الخريشة، في بيت متسلسل بالهيبة والإنفتاح الذي أتاح لها دخول الإعلام من بوابة الإذاعة التي كانت سلطة ثانية أو ثالثة.

هي بدورها بالدأب والمهنية والاستعداد، وفي شراكة أسرية أقترنت فيها بقيادي إعلامي رائد، أقامت عمارات موصولة من عشرات البرامج الإذاعية التي ما زالت مضاءة، رغم هجرة الناس إلى السوشيال ميديا، بكل ما اعترى إعلامنا الحديث من جولات، لا تُحب جمان مجلي ان تقسو عليها في الوصف.

لعلها اليوم رحلة اسثنائية مع أم ناصر، نحتاج مثلها في فترات الحجر الطوعي والقسري، لنستعيد شجن زمن سمّه ما شئت: جميلا، صعبا، شجيّا.. أو مراوحة بين الحلم والصدفة والإرادة.

مهنياً كيف تشكل الثنائي الإعلامي جمان مجلي وعدنان الزعبي بحيث أصبح الإعلام جزءاً من حياتهما في البيت والإذاعة؟

حدث التعارف في الإذاعة التي سبقني للعمل فيها، لم نكن نعمل في نفس القسم وإنما كنا نلتقي أحياناً كزملاء، لكن عرْضُ الخطوبة كان مباشراً ودون مقدمات، وحصل النصيب ومن ثم حياة مشتركة أنعم الله علينا فيها بالعنود وناصر وعزة.

علاقتنا منذ البداية وما زالت بفضل الله علاقة محبة واحترام وتفاهم فعندما يكون الزوجان في المهنة ذاتها يقدّر كل منهما ظروف الآخر في العمل، وهذه من ايجابيات نجاحنا بفضل الله حيث أثّر ذلك بالتأكيد على الأبناء.

ومن الملاحظ للمتتبع أن الكثير من أبناء المذيعين أصبحوا مذيعين وهذا بالتأكيد من تأثرهم بعمل الوالدين أو أحدهما، اذا ما اضفنا بأنها مهنة مرغوبة عند الشباب، وقد ظهر ذلك جلياً عند عنود التي درست الصيدلة، وأثناء عملها فيها حصلت على ماجستير «فض النزاعات» من المعهد الدبلوماسي، وبعدها حصلت على درجة الماجستير في «الصحافة والإعلام الحديث» من معهد الإعلام الأردني، والتحقت ببرنامج تدريبي في معهد غالوب في بريطانيا عن موضوع الفعالية في الأداء، وأسست مؤسسة للتدريب والاستشارات مع صديقتها دينا أبو لبن. أما عزة وناصر لا علاقة لهما بالإعلام إلا من حيث القدرة على التواصل وتحليل الأحداث.

تشاركتما أيضاً في تأسيس وإطلاق جمعية المذيعين الأردنيين التي كان الطموح كبيراً لدى إنشائها، ما الذي أعاق هذه الجمعية من أن تأخذ مداها المفترض في قوة الحضور والتأثير بالمشهد الإعلامي المحلي؟

نشأت فكرة جمعية المذيعين الأردنيين بسبب عدم وجود أي مظلة تجمع المذيعين، فهم لا يستطيعون الانضمام لنقابة الصحفيين ولا لأي نقابة أخرى

رأينا أن الحاجة تدعو لأن يكون للمذيعين جمعية تلبي احتياجاتهم وتسمح بالمشاركة في قضايا الوطن. بدأت الفكرة تحت عنوان "الإذاعيون الأردنيون جيل يكرم جيلاً"، وبعد سلسلة من المحاولات نجحنا في إنشاء الجمعية بموافقة وزير الداخلية ووزير الإعلام، عام ٢٠٠٢، وكانت الفكرة بأن تكون الجمعية الجسم الذي يضم أجيال المذيعين ويدعوهم للقاء والحوار وتبادل التجارب بحثاً عن دور يتواصل من الماضي إلى الحاضر، في ظل المتغيرات العالمية، وثورة الاتصال.

قامت الجمعية بعقد الملتقيات الإعلامية وعقد الورشات واللقاءات الحوارية، وتم إعلان الأول من آذار من كل عام يوماً للمذيع الأردني بالتزامن مع انطلاق صوت الأردن الرسمي خلال افتتاح الإذاعة الأردنية سنة ١٩٥٩. وقام رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز برعاية انطلاق «يوم المذيع الأردني» في ١/٣/٢٠٠٤.

تم تمثيل الجمعية في مهرجان القاهرة الدولي للإذاعة والتلفزيون في لجان التحكيم للمهرجان لدورتين، اضافة الى تمثيلها في اللجنة الإعلامية لوزارة التنمية الاجتماعية وعقدت عدة نشاطات منها ندوة بعنوان «التسول طريق للانحراف» في ٢٠٠٣ ودور الإعلام في معالجة هذه الظاهرة.

للعمل في إنشاء وتسيير الجمعيات النسائية موقع أثير في نفسية جمان مجلي حيث نوّعت وجدّدت فيها الكثير الذي يستحق الاستذكار الآن:

بدايتي في الجمعيات النسائية كان من خلال نادي الجامعيات العربيات الذي ترأسته الدكتورة ماوية أبو غنيمة، وكنتُ عضواً في الهيئة الإدارية وكان النادي شعلة نشاط، فيه تلمست قضايا أثارها النادي من خلال ندوات وورشات عمل على المستويين المحلي والعربي.

ناقش النادي قانون الأحوال الشخصية، التعليم الذي نريد، والكثير من القضايا التي ما زالت موضع بحث حتى الآن، كان نادي الجامعات العربيات رائداً في تناول الكثير من القضايا.

كما كنتُ من مؤسسات جمعية نساء من أجل القدس وعضو هيئة إدارية لثلاث دورات فيها، وعضواً مؤسساً في مركز الإعلاميات العربيات. وخلال عملي في برنامج الأسرة ساعدتُ في تأسيس جمعية مرضى التلاسيميا، والعديد من الجمعيات الخيرية والتعاونية لايماني بأن الإذاعي ليس صوتاً فقط إنما هو فكر يتفاعل مع قضايا المجتمع بالمشاركة والحضور حتى يستطيع أن يؤدي رسالته ويؤثر التأثير المطلوب.

كنت أيضاً عضواً في الهيئة الإدارية لجمعية تنظيم وحماية الأسرة، وشاركت في مؤتمر السكان والتنمية في جامعة الدول العربية في القاهرة مع المحامية نائلة الرشدان كما وشاركتُ في الوفد الإعلامي لمؤتمر المرأة في بكين برئاسة الأميرة بسمة بنت طلال، وبعد تقاعدي وبقرار من الأميرة بسمة تم تعييني مديرة للإعلام في تجمع لجان المرأة الوطني الأردني، رافقت سموها خلال تلك الفترة مع مجموعة من الإعلاميين في جولات حملة البر والإحسان في مختلف مناطق المملكة مما كان له كبير الأثر على رؤيتي وانعكس على برامجي.

ما زال الإعلام الأردني ظالماً للمرأة في حقها الطبيعي المشروع بالمشاركة المتكافئة، لماذا برأيك؟

أرى أن الإعلام الأردني جزء من مجتمعنا الذي لم يستطع أن يوصل المرأة إلى البرلمان إلا من خلال الكوتا، وهو ذاته الذي يتعامل مع المرأة في مواقعها كافة، فالمنافسة قائمة بين الرجال أنفسهم على مواقع صنع القرار والمواقع المتقدمة، فما بالك إذا كانت المنافسة بين موظف وموظفة.

إن نسبة النساء العاملات قليلة مقارنة بالرجال ومع هذا فإن المرأة في الإعلام وصلت إلى مواقع متقدمة ومهمة ولكن أقل من الطموح.

معظم أو كل الذين عايشوا وعملوا في الإعلام الأردني بالفترات التي تسمى ذهبية يشعرون أن الإعلام الأردني الرسمي مات تقريباً كلاهما - إعلام البث الفضائي المرئي والمسموع، أو الصحفي الورقي - يعيش أزمة البحث عن وظيفة ودور وسط متغيرات جذرية لم يستطع أن يواكبها (هكذا هي الصورة الشائعة)، كيف ترينها من زاويتك؟

تأثر الاعلام بشكل كبير بحكم التطور التكنولوجي الهائل الذي نشهده ويشهده العالم، وانتقلت الملكية من ملكية الحكومات المطلقة إلى ملكيات خاصة وتعددت القنوات وتداخلت الأفكار والبرامج، وامتلأت الساحة بمن يعرف كيف يخاطب العقول ويؤثر في توجهاتها لمصلحته القومية والوطنية. ونحن كدولة نامية علينا أن نعرف كيف نخلق ظروفاً مواتية لمواجهة التغيير وزيادة الوعي في وجه التلاعب بالعقول، ولابد من ثلاثية حتى يعود للإعلام الرسمي ألقه وانتشاره:

- القيادات، ومن داخل الجسم الإعلامي.

- الكوادر، والتدريب المستمر بعيداً عن الواسطة واعتماد الكفاءة فقط.

- التمويل اللازم المرن من أجل مواكبة العصر بمستجداته وملاحقة الأحداث في مواقعها، وإلاَ سيبقى الإعلام الرسمي في تراجع ولن يعيش ضمن المنافسة القوية للإعلام الخاص.

ماذا عملت التكنولوجيا بالإعلام؟

لا شك أنه اصبح أقل أهمية في مستواه مما يعني انه لن يستطيع ان يؤدي دوره في طرح القضايا بوضوح على الرأي العام والتأثير إلا إذا تسلح بأدوات العصر الجديدة. من المهم دحض الأخبار الكاذبة، و الالتزام بالشفافية في نقل الأخبار والأحداث وإلا لن يكون للإعلام مكان في قادم الأيام، وسيفقد دوره ودوره مهم جدا.

لا تبدين نشطة في السوشيال ميديا، كثيرون من قامات الإعلام التقليدي الرسمي ينظرون للسوشيال ميديا بأنه ليس إعلاماً بقدر ما هو شغب على الحدود الحرجة الملتبسة لما هو مسموح أو ممنوع:

لا أنظر إليه على أنه شغب فقط، وان كنت لا أعمم حيث هناك الجيد، والسوشال ميديا أتاحت للكثير من أصحاب الفكر والرأي والمثقفين أن يكون لهم صوت وتواجد على الساحة. أتابع ذلك بشكل يومي؛ وأنا ضمن مجموعات أعتز بها على هذه المنصات من خلال التواصل مع صديقات نتبادل الأخبار والآراء والطرائف.

لماذا لم تترشحي للنيابة؟ وما هو رأيك بالكوتا النسائية؟

لأنني أنتمي إلى بدو الوسط فلا يحق لي الترشح إلا ضمن قوائم بدو الوسط، ولقد آن الأوان لتغيير هذا القانون الجائر فلم يعد البدو منغلقين في مناطق محددة، ولكنهم منتشرون في كل المملكة حسب مواقع عملهم ونشاطاتهم الاقتصادية، وهم ضمن كوتا البوادي الثلاث، والمرأة البدوية كوتا ضمن الكوتا.

أما رأيي في الكوتا النسائية أجدها ضرورة مؤقتة وان كنت ضدها سابقا لكن الآن أرى أنها مهمة لإيصال نساء إلى البرلمان على أن يكون الأمر مؤقتاً كما قلت وفي المستقبل القريب ان شاء الله عليها أن تنافس كما الرجال.

لماذا لا يتربى عندنا في الأردن فنانون بالمعنى الشامل المعاصر التنافسي؟

عالم الفن يحتاج إلى دعائم تساعده على المنافسة، ويحتاج إلى حضور فيه الموهبة الحقيقية، ومبدعون في مجالات كتابة نصوص المسلسلات وكلمات الأغاني، وبعد ذلك دعم من الدولة أو من شركات الإنتاج والتوزيع والدعاية والتسويق، ومساندة إعلامٍ واعٍ لأهمية الفن كقوة ناعمة إيجابية.

المتابع يلاحظ أن الفن الأردني حقق نجاحاً وانتشاراً قبل أزمة الخليج التي أثرت بشكل سلبي على الفن والفنان الأردني، مما اضطرهم للبحث عن أعمال أخرى من أجل تأمين عيشهم.

لدينا طاقات فنية مبدعة في العديد من المجالات لكنها بحاجة إلى دعم مالي من قبل الدولة وشركات متخصصة بالإنتاج وتطوير الأعمال الفنية لتواكب العصر والحداثة، وهذا يدعونا إلى التساؤل لماذا حقق الأردنيون في الخارج أمثال منذر رياحنة وإياد نصار وصبا مبارك ورشيد ملحس نجاحاً مميزاً وحضوراً عربياً لافتاً؟!

اسمك جمان مجلي ماذا عن اسم العائلة؟ ومن هي الوالدة؟

أنا من بني صخر، من عشيرة الخريشة، ومجلي اسم جدي الذي عرف بكرمه وكان قاضياً للعشائر. مشاعري تنتمي إلى الأردن الغالي بعيداً عن العشائرية المتعصبة. أنا ابنة الأردن بكل اعتزاز وافتخار لانتمائي إلى هذا الوطن العزيز.

والدتي أسمى حسن أبو غنيمة من عائلة اهتمت بالعلم والتعليم، كما وعمّات والدتي خريجات معاهد معلمات من سوريا، زينب عمتي جاء ترتيبها رقم «واحد» في سلك التربية والتعليم، وايضا شقيقتها آمنة من أوائل المتعلمات منذ تأسيس إمارة شرق الأردن.

زميلاتك في مرحلة سطوة المرئي والمسموع، أين هن الآن؟ ماهي ذكرياتك معهن أو بعضهن؟

الذاكرة تحمل المحبة والتقدير للزميلات اللواتي عملت معهن وتربطني بهن علاقات جيدة، منهن من انتقلن إلى رحمة الله، ومنهن ما تزال علاقتي قائمة معهن من خلال وسائل التواصل الاجتماعي اذكر منهن سمراء عبد المجيد، أمل دهاج، ليلى القطب، ضياء فخرالدين، شيرين حجازي، هيفاء حجازي وأمل زكي. أما سوسن تفاحة فقد تزاملنا في إذاعة القوات المسلحة لمدة 15 عاماً تقريبا وما زلنا على تواصل. ايضا زاهية عناب تشاركنا معا في العديد من اللجان منها اللجنة الوطنية للسكان، لجان مسرح الطفل، أغنية الطفل، السنة الدولية للأسرة وتواصلنا مستمر.

أسرتي

لدينا من الأبناء ناصر خريج كلية الحقوق ويحمل درجة الماجستير بتفوق. لديه ، نوف 10 سنوات، عبد الله 6 سنوات، وكريم 3 سنوات. وعزة كشقيقها خريجة كلية الحقوق وتحمل أيضا درجة الماجستير بتفوق، ولديها حلا 10 سنوات وسما 6 سنوات، وعنود أكبر الأبناء تعمل في الإعلام في إعداد وتقديم البرامج.