محسنة الخطيب

يستمر حضور التاريخ بما فيه من وقائع وأحداث وقصص عندما تضعه الرواية بين دفتي كتاب لتبث فيه الحياة وتربطه بالحاضر.

تستعيد رواية «القُناق» للكاتب البوسني كامل سيارتش، تلك الحقبة ‏التي شهدت بدء انهيار سلطة الدولة العثمانية في البلقان و‏قيام السلطان ببيع الإقطاعيات في الباشوية للأمير الصربي «ميلوش»، منهياً بذلك الحكم التركي هناك، وهو الحدث الذي سيزلزل حياة الإقطاعيين الأتراك الذين يعيشون في صربيا، ‏وما يعنيه ذلك من انقلابٍ في أحوالهم من السلطة والجاه إلى الضعف والحاجة.

هذا الواقع الجديد باغت الإقطاعيَّ «ليمش آغا» في دارته الكبيرة (القُناق) التي يعيش فيها مع جواريه وخادمه. فقد أصبح الصربيُّ «كولاش» يشاركه العيش في هذه الدار بعد استئجاره قسماً منها. لذا يحنق «ليمش» على السلطان الذي باعه للأمير الصربي، ولم يقدّر عمله بالدفاع عن الدين والسلطنة، تاركاً مصيره ومصير الأتراك المقيمين في البلقان في مهب العاصفة. إذ أصبحوا يعيشون وضعاً متأزماً لأن السلطان يطلب منهم ألّا يغادروا المدن الصربية، بينما يحملهم أمير صربيا مسؤولية ما سيقع لهم إن لم يغادروا.

هكذا تبدو الملامح الجديدة للتغيرات القاسية، بصورة هذا الإقطاعي الذي فقد قراه وأراضيه وسلطانه ورغد العيش. وبدأ التدهور يظهر على الدار الكبيرة التي يعيش فيها بتآكل الجدران والسقوف وتضعضع الأعمدة، مما يدفعه إلى مجابهة ذلك ببيع أملاكه، كبعض جواريه ومقتنياته الأثيرة على نفسه من سيوف مذهبة وأوانٍ فضية. وبدا كأنه يبيع تاريخه الذي يفخر به بعد أن خاض الحروب وحقق الانتصارات ونال ما نال من الغنائم. ولأنه لم يسْلم من التعرض للسخرية وتعليقات الاستهزاء والشماتة على ما حلّ به، يقرر إطلاق سراح جارياته ليتخلص من مصاريفهن، ويظهر في صورة التغيرات مشهد الرق والعبودية لأشخاص مكبلين بالأصفاد، يتسوّلون الفدية من الناس لفكّ عبوديتهم وهم من بلاد ولغات مختلفة كانت تحتويهم الإمبراطورية العثمانية.

وفي المقابل، يمثل الصربي «كولاش»، الذي أصبح شريكاً في الدار، الوجهَ الفتي لصربيا القادمة. فهو رجل قوي البنية، صارم القسمات، يدير شؤون دولته بحزم وقسوة، ويحوّل مقر إقامته إلى مركز أمني يمارس فيه سلطاته المطلقة، وينفذ الأحكام القاسية من ضرب وجلد بحق المحكومين، ولا يستثني حتى كبار السن من الأمراء الصرب كي يرهب الجميع بالسلطة الجديدة. ويواصل «كولاش» تطاوله مستثمراً قوته ليحصل على إحدى الجواري لقاء ما يمكن أن يقدمه من خدمات. وتُظهر المناقشات بينه وبين المخصيّ المسؤول عن الجواري تماهيه مع السلطة التي اكتسبها، وتمثّله لآلية تأسيسها لمشاريع مقايَضة صريحة تحكم بنية العلاقات الجديدة المبنية على أنقاض العالم القديم، مؤكدة على حركة التاريخ التي تحكم الحياة.

المفارقة في الرواية التي ترجمها الأردني إسماعيل أبو البندورة وصدرت عن «الآن ناشرون وموزعون»، أنها تروى على لسان الخادم الخصيّ الذي يعمل في الدار الكبيرة, ويخدم الإقطاعي ويرعى شؤون جواريه بإخلاص. فهذا الرجل بلا شهوات، وبلا هوية، لكنه يجابه مأزقه الحياتي بالقراءة والكتابة، ويتعرف على اللذة من الكتب، ويتخذ القلم رفيقه في عالم الوحدة الذي يعيشه، ويقرأ كثيراً للحكيم الفارسي «شيران».

لكن هذا الخادم يرى نفسه «نبتة جافة في حديقة العالم.. ويفكر في بداية نهاره، كيف تتفح الأزهار مع التماع الندى عليها»، ويخفف على نفسه باقتناعه أن الأمور تحدث لأن الله يريد ذلك. ويحدث أن يناقش الخادم سيده الذي ينتقده وينتقد قراءاته وجدواها، فيخبره الخادم أن العالم يغفو على الحكايات، بينما يردّ الإقطاعي أن العالم يغفو على حد السيف! مع ذلك، يهتم الخادم بإدارة شؤون الجواري ولباسهن وزينتهن، وتعليمهن الغناء والرقص والتسرية عن سيدهن بالحكايات والكلام الجميل، كما يترجم نصوصاً وأحاديث من لغاتهن المتنوعة التي أصبح يتقنها. ويبدو عالم الجواري في «القناق» فضاءً منزوع الإنسانية؛ ففيه نساء اختُطفن من بيوتهن وعائلاتهن، أو وقعن في السبي أثناء الفتوحات قبل أن يُقذف بهن إلى واقع جديد أصبحن فيه جاريات مسلوبات الإرادة ومنقادات لخدمة الإقطاعي وتلبية رغباته.

وبمرور السنوات تصبح الجواري جزءاً من هذ الواقع الذي لا يعرفن سواه. هكذا تتجلى ذروة المأساة عندما يقرر الإقطاعي بسبب تدهور أحواله أن يطلق سراحهن مع مبلغ من المال، ليعدن إلى أوطانهن، متصرفاً كضابط مهزوم يسرّح جيشه المهزوم. لكن الجواري لم يكنّ سعيدات بذلك، ولم يستوعبن فكرة أن يستعدن حريتهن وقد فقدن القدرة على التصرف أو الحركة خارج الجدران التي عشن فيها. وبدت الحرية لهن عبئاً فائضاً لم يعتدن عليه. ولذلك يسهل خداعهن بوعود الحياة الجميلة مع مالكٍ جديد لهن.

وعلى العكس من ذلك، يعيش الخادم المخصيّ حلمه اليومي بالعودة إلى وطنه وهو يتذكر طفولته وأطفال قريته وبراءة تلك الأيام، ويشعر بالحنين إلى أرضه وما فيها من الجبال والأنهار والطيور، ويدرك أنه لا يريد الآن شيئاً سوى العودة إلى دياره.

ويتولى الخادم سرد الأحداث بما يمتلكه من حكمة، ويتراوح سرده بين البساطة والعمق مؤكداً علاقته الوثيقة بالكتاب لتعويض هويته الضائعة واستعادة إنسانيته بالمعرفة. وهو يتمسك بروح مرحة تمسح بؤس التناقضات في حياته، وقدَرية تتيح له تقبل دوره في الحياة مع إيمانه بتغير الأحوال الذي يطال الجميع.

هذا البوح الذي صاغ العمل نسجَ رواية جميلة بتقنيتها وموضوعها وشخصياتها، تصطحب القارئ إلى زمن تاريخي غابر وبقعة جغرافية تضيء جوانب من عالم متغير يسيطر فيه الأقوياء بينما يروي سيرَهم المهمشون الضعفاء. تمثل «القناق» (الدار الكبيرة) صورة الدولة العثمانية الغاربة، وانهيار أعمدتها، وتجريد البشر من إنسانيتهم بسبب الظلم والاستعباد. وتوثق الرواية لمرحلة مضت، لكنها تحاكي حاضراً تتسيّده دول فاشلة وعبوديات جديدة.

كاتبة سورية