وفي الأمس الخريفي الماطر المرّ صادفت الذكرى التاسعة والأربعون لاستشهاد الرئيس وصفي التل، ومن ذلك الحين هناك تاريخ وطن وشعب، أرض وطىء ترابها العظماء وسقت الدماء ساحات الوغى فيها لتنبت شقائق النعمان على محيا الجنود الذين استبسلوا دفاعا عن الأردن الوطن وفلسطين والقدس الشريف ونهر «الشريعة»، وقبل ذلك كان موعد أولئك المشرقيين ليقيموا دولتهم التي ولدت من سحابة عابرة ساقها قدر الله لتكون ظلا لكل أحرار الأمة، فيولد فيها الرعيل العظيم ليقودها نحو العلياء، ثم يموت عنها وصفي فيسجل اسمه مع الخالدين ويدفن ركام النسيان كل الخونة والمتآمرين.

الحسين ووصفي، هما متلازمة يندر أن تجد غالبية شعب أو أمّة تجمعان على تذكرهما، كما يذكرهما الجيل الجديد من أبناء العسكر وجيش موظفي الدولة من المحافظين على ذكرى الأردن القديم، إذ لا يزال الخيال الشعبي حياً بهما، كأمّ تنتظر على مفترق الطرق ابنها الذي عبر النهر غرباً، علّه يعود لها في ليالي تشرين الماطرة، وهذا ليس نسجاً درامياً يعبر عن قصة بلا معنى، بل إن المعنى بما أسسه الراحلان مع التفريق بالسن والزمن، وكيف كان ذلك الزمن عاصفة هوجاء يقودها كوكبة من الرجال العظماء، قاتلوا ليبقى الوطن عزيزا والأمة مجتمعة، شاركوا في بناء الدولة كجنود وقادة وموظفين ووزراء، وبلد اخترق المستحيل بلا رهاب ولا رهان ولا مطمع.

ترى ما السبب، وأين العجب في أن يستذكر الجميع شخصية كوصفي؟! ذلك لأن وصفي لا يحتاج الى ألقاب، فهو فلاح إربدي اللون حوراني كما وصف والده الشاعر العنيد العتيد، وهو بدوي غض قاتل على تراب فلسطين لأجل فلسطين وشعبها، وعاد صانعاً للنجوم في منظومة الحكم، وراسماً لمستقبل الدولة إعلامياً وسياسياً، وعندما بلغ الثالثة والأربعين شكل الحكومة الأولى له، وفي الثانية والخمسين من عمره شكل الحكومة الخامسة عقب خبوّ لهيب المؤامرات الناصرية وقدوم أنورالسادات، ونزاع الأردن مع العراق وسوريا، وتخلي الكثير من الدول عن دعم النظام الأردني بناءً على الدعاية الإعلامية الإستهدافية للأردن، فقرر حينها أن يصنع إعلام دولة خاصاً فكانت صحيفة الوطن «الرأي» التي أرادوا اغتيالها منذ زمن.

لم يكن مع وصفي عفاريت من الجان، بل رجال لهم إرادة وانتماء وولاء، وهذا ما ميز «أبو مصطفى» حيث غيّر وجه الدولة خلال ثمانية أعوام فقط، هن آخر ما حكم فيهن، منذ عام 1962 حتى 1966 مكرر، وبعدما استقال وقعت نكسة حزيران، وعاد للحكومة الأخيرة 1970 محاطاً في كل الحكومات برجالات عمالقة من الضفتين، إذ كان يحمل مشروعاً متكاملاً كرسّام تخيل الصورة وأبدع في إنتاجها، ثمان سنين هن عمر وصفي في الحكم جعلته الأول والأخير بلا منازع

موت وصفي موت أسطورة عبقرية الرئيس الذي خطط لدولة مانعة، لم يشبهه سوى «تشيرشل» الذي أنقذ بريطانيا وحرر فرنسا بعناده، ولازال الشتاء الأردني له طعم مرّ، فكثير من الرعيل الأول غادروا الدنيا فودعتهم السماء مطراً، ولكن وصفي الأكبر كان الأكثر إيلاماً، لأنه قُتل غيلّة وغدراً، كما تغدر الضباع الجائعة الأسد الهصور، فتوزع دمه بين قبائل السياسة والأحقاد، ليرحل وصفي زاهداً لا يملك سوى دنانير في جيبه، وترك بلداً عزيزاً ثمنه روح وصفي الذي أصبح كتاباً تقرأ فيه الأجيال كيف تكون زعيماً بلا مال ولا عيال.

Royal430@hotmail.com