بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

خبير المناهج وطرق التدريس

كان اهتمام الباحثين وخاصة في علم النفس منصباً على دراسة الذكاء العقلي، وتم إغفال ما يسمى بالذكاء العاطفي أو الوجدانيالذي لم يحظ بالقدر نفسه من الاهتمام. كما أنه لم يتطرق أحد للدور المهم لهذا النوع من الذكاء أكان على المستوى الشخصي أو المستوى المهني. ولكن منذ عام 1990 قام الباحثون بدراسة أهمية العاطفة بصفتها محدداً حقيقياً لنجاح الشخص، إلى جانب الذكاء العقلي، حين قدم ماير وديباولو وسالوفي تصورهم عن هذا الموضوع في إطار مجموعةٍ من المهارات التي يفترض منها أنها تسهم في التعبير عن عواطف الفرد وعواطف الآخرين، إلى جانب التنظيم الفعال للعواطف. وقد بينوا بأن العواطف هي بمثابة مصادر مفيدة للمعلومات، تساعد الفرد على الفهم والتعرف إلى البيئة الاجتماعية المحيطة به. كما لاحظ ماير ورفاقه الاختلافات والتفاوت بين الناس في القدرة على معرفة العواطف التي تنتابهم ووصفها، ومعرفة عواطف الآخرين والتنبؤ بمشاعرهم، ومحاولة إيجاد حلولٍ للمشكلات المتعلقة بهذا المجال.

وبقي الأمر هكذا حتى جاء جولمان بكتابه: (الذكاء العاطفي: لماذا هو أكثر أهمية من حاصل الذكاء؟)، والذي كان من أكثر الكتب رواجاً في تلك الفترة، حيث أتاح للناس كيفية التعرف إلى عواطفهم الحقيقية والتعبير عنها، وفتح المجال للبحث والتقصي في هذا الموضوع، حيث تبين فيما بعد أن الذكاء العاطفي لا يقل أهمية عن الذكاء العقلي بالنسبة إلى نجاح الإنسان في حياته اليومية. ويظل تعبير «الذكاء العاطفي» مفهوماً حديثاً على التراث السيكولوجي، إذ ما زال غير واضح المعالم تماماً، لأنه يجمع بين الجانب المعرفي والجانب الانفعالي. وقد تعددت تعريفاته وفقاً لاختلاف توجهات العلماء النظرية. فقد عرَفه جولمانبأنه عبارة عن «مجموعة من القدرات أو المهارات التي قد يسميها بعضهم صفات أو سمات شخصية لها أهميتها البالغة في مصير الأفراد».

وقسّم جولمان المقدرات العاطفية إلى خمسة مجالات أساسية تتمثل أولاً في الوعي بالانفعالات الشخصية، أي أن يكون الإنسان واعياً ومتفهماً لذاته، ومدركاً لماهية مشاعره، وقادراً على تحديد انفعالاته والتحكم بها، لأن ذلك يمثل أساس الذكاء العاطفي. والشخص الذي يمتلك هذه القدرة يكون أكثر نجاحاً في تحديد خياراته في الحياة، واتخاذ القرارات التي تناسبه، وبالتالي يكون أكثر نجاحاً في حياته وعمله. وبعكس الشخص الذي لا يستطيع فهم مشاعره وانفعالاته والتحكم بها، فإنه يبقى أسيراً لتلك المشاعر والانفعالات، وغير قادرٍ على اتخاذ القرارات الصحيحة. أما المجال الثاني فهو التحكم في المشاعر، حيث الحياة مليئة بالعقبات والصعوبات، والشخص الذي يستطيع التحكم بمشاعره وقيادتها ولا ينقاد لها، يجد نفسه قادراً على التعافي السريع من أي إخفاقٍ يواجهه في حياته، ويحاول من جديد الوصول إلى الهدف الذي يريد تحقيقه. أما الشخص الذي لا يستطيع التحكم بمشاعره وينقاد لها، فيظل أمام أي تعثر يواجهه دائم الشعور بالفشل والإحباط، ودائم الشعور بالحاجة لمساعدة الآخرين له.

ويعتبر تحفيز الذات المجال الثالث للمقدرات العاطفية، إذ يمتلك الإنسان الدافع من داخله للوصول إلى الهدف، وأن من يمتلك المقدرة على توجيه مشاعره لخدمة أهدافه، يقترب من الإتقان والإبداع. فالشخص الذي يملك هذه المهارة سيكون أكثر كفاءة وإنتاجية وأكثر قدرة على الإنجاز. ويلي ذلك مجال التعرف إلى مشاعر الآخرين، حيث أن الأمر الذي يجعل شخصاً ما محبوباً لدى الناس أكثر من غيره هو التعاطف مع الآخرين، والشعور معهم. فامتلاك المقدرة على الإصغاء للآخرين وفهم مشاعرهم وقراءتها والتنبؤ برغباتهم واحتياجاتهم، تجعل المرء ناجحاً في علاقاته مع الناس والمجتمع. أما المجال الخامس والأخير فيتمثل في إدارة العلاقات، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمجال السابق، وهو التعرف إلى مشاعر الآخرين والتعاطف معهم. فالإنسان الناجح في علاقاته مع من حوله، والذي يملك مهارة تفهم احتياجات الناس وتلبيتها، يستطيع تطويع مشاعر الآخرين بسبب حبهم له. فهذه المهارة تمنحه مفتاح القيادة والشعبية والفاعلية في التعامل مع الآخرين. فالأشخاص القياديون، كمديري الشركات والمشاريع الاقتصادية أو التربوية الكبرى ورؤساء الجامعات والمدارس مثلاً، إذا أرادوا الوصول إلى النجاح والإنجازات، فإن عليهم أن يطوروا هذه المهارة لديهم عن طريق إتقان فن إدارة العلاقات مع الآخرين.

ومن المؤكد أن هذه المجالات الخمسة للذكاء العاطفي تتفاوت في درجاتها من شخصٍ لآخر، إذ أن مقدرات الناس ليست واحدة. فمن الممكن أن يكون الشخص ناجحاً في التحكم بمشاعره وإدارة انفعالاته وقادراً على التخلص من الشعور بالقلق والإحباط، بينما ليس قادراً على مساعدة الآخرين في التخلص من هذه الأمور. ولكن في الوقت ذاته، يمكن للإنسان أن يتعلم أية مهارة من مهارات الذكاء العاطفي، ومن ثم يعمل على تدارك وعلاج أي قصورٍ في أي مجال من مجالاته الخمسة السابقة.

ويرى بعض المتخصصين بضرورة تعلم وتعليم الذكاء العاطفي أو الوجداني في المجال التربوي، وذلك لأنه يلعب دوراً مهماً في بناء شخصية الطفل في المراحل الدراسية الأولى، ثم يؤدي إلى استقرار شخصيته في المراحل التالية من عمره. كما أن الذكاء العاطفي مهم للمعلم لاستقرار نفسيته وإتقان عمله، مع حاجة الإدارة لمهارات الذكاء العاطفي حتى تكون ناجحة في قيادة المدرسة بالشكل الصحيح. ويلخص جولمان تأثير كل مجال من مجالات الذكاء العاطفي في العملية التربوية التعليمية في الوعي بالانفعالات الشخصية، إذ يساعد على فهم الذات، وتحديد المشاعر بوضوح، وفهم الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه المشاعر وإثارتها، ثم التعرف إلى الفارق بين مشاعر الإنسان وبين أفعاله وسلوكه، وفي التحكم بالمشاعر، وهذا مهم جداً، حتى يستطيع الطلبة السيطرة على انفعالاتهم ومواجهتهم للضغوط المختلفة، والتخلص من الشعور بالإحباط والفشل، وتدريب الطلبة على التعبير عن استيائهم أو غضبهم لأمرٍ ما بطريقةٍ سليمةٍ وحضارية.

وهذا كله مهمٌ لتفادي التعامل بين الطلبة أنفسهم، أو بين الطلبة ومعلميهم بأسلوبٍ عدواني من جهة، ولتفادي النزاعات والعنف في المدرسة أيضاً، مما يساعد على توفير بيئةٍ تعلميةٍ تعليميةٍ صحيةٍ خاليةٍ من المشكلات من ناحيةٍ ثانية. هذا بالإضافة إلى ترسيخ المشاعر الإيجابية وتحفيز الذات، إذ أن توفير بيئةٍ تعلميةٍ تعليميةٍ صحيةٍ ومستقرة، كمحصلةٍ للنقطتين السابقتين، يساعد الطلبة على التركيز في الدراسة، ويزودهم بالدافعية لتحسين الأداء والإنجاز. كما أنه يعطي المعلم الدافعية للعطاء والإخلاص وتحمل المسؤولية في العمل وإيصال المعلومات إلى الطلبة بالشكل الصحيح والأسلوب السليم، وبالتالي الشعور بالرضا في العمل.

كما أنه ينبغي التعاطف مع الآخرين، حيث من الضروري تعليم الطلبة وتدريبهم على كيفية تقبل الآخرين والاستماع إليهم، والاهتمام بوجهة نظرهم، وتفهم مشاعرهم. وهذا كله مهم لشعور كل طالبٍ بأنه غير مهمل، وأن وجوده مهم، ويعبر عن رأيه بحريةٍ تامة، مما يعزز من شخصيته وشعوره بالاستقرار النفسي والعاطفي. ومن الضروري أيضاً، أن يمتلك المعلم هذه المهارة، فيستمع إلى آراء الطلبة ويتقبل وجهات نظرهم، مع الفن في إدارة العلاقات، لأنها مهارة مهمة جداً، فمعرفة الطلبة لكيفية التعامل مع الآخرين، إن كانوا طلبة أو معلمين، واكتساب مهارة التواصل معهم، والشعور باحتياجاتهم، والتعامل بعدالة عالية المستوى مع الجميع، مما يرفع من مقدرة الطلبة على المشاركة والتعاون من ناحية، ويحقق لهم المزيد من الصداقات والمقدرة على التفاوض لحل الخلافات من ناحيةٍ أخرى.

profjawdat@yahoo.com