كتب: أمجد المجالي

يعود شريط الذكريات الى سنوات مضت، وتحديداً أواخر شهر كانون الأول من 2012، عندما حظيت "الرأي" بإجراء مقابلة مطولة مع أسطورة كرة القدم وأحد أبرز نجومها على مر العصور الأرجنتيني دييجو أرماندو مارادونا.

المقابلة التي نشرت على صفحات الرأي عبر ثلاث حلقات، كانت تعد الأولى في مسيرة الأسطورة على حد تعبيره آنذاك "هي المقابلة الأولى خلال مسيرتي، ولا أتذكر أنني أجريت مقابلة مطولة، بل كانت مقابلات سريعة وتصريحات مقننة أصدرها بين الحين والأخر".

تعود بنا الذكريات الى جزيرة النخلة في امارة دبي حيث كان يقيم مارادونا أبان توليه منصب المدير الفني لنادي الوصل الاماراتي، وطرحنا، كاتب السطور والزميلة هبة الصباغ عديد الأسئلة بعدما تخطينا مساحات جس النبض بكلامات ودية ساهمت بتقريب المسافات والتحرر من مسحة التوتر المتبادلة، ذلك ان مارادونا لا تجمعه علاقات طيبة مع وسائل الاعلام، والأمثلة عديدة على علاقة المد والجزر.

وأتذكر جيداً أن مارادونا قال لنا قبل المصافحة "لدي ارتباطات عديدة، وموعد مع الطبيب الخاص كوني أعاني من مشاكل في منطقة الركبة، ولهذا فإن اللقاء لن يطول عن ربع ساعة، ومن ثم مد يده للمصافحة". لنرد : لنبدأ بطرح الاسئلة ومن ثم لنرى كم يستغرق ذلك من الوقت"، وطبعاً كانت لغة التواصل عبر مترجم خاص يجيد اللغتين العربية والاسبانية.

رويداً رويداً أخذ الأسطورة يتفاعل مع الاسئلة ويسهب في الاجابات، حتى أنه وجه سؤالاً مباغتاً : كيف عرفتم كل هذه التفاصيل عن مسيرتي؟. وتابع : أعتقد أن الكثير من اعلاميي بلدي لا يعرفون هذه التفاصيل!.

لم يكترث مارادونا بالوقت، وأمتد الحوار بين سؤال وجواب، ومن ثم التركيز بين الحين والأخر على التلفاز حيث كان يتابع مباراة في الدوري الاسباني، ويعطي رأيه حول جملة تكتيكية أو لمحة فنية، ثم يقول فجأة : اين وصلنا في حوارنا وكم تبقى من أسئلة؟.

تخطينا حاجز الـ 15 دقيقة التي حددها قبل اجراء الحوار لنصل الى أكثر من ثلاث ساعات من حديث شيق وممتع، فتح خلاله قلبه بسرد تفاصيل دقيقة تناولتها "الرأي" بثلاث حلقات لاقت تفاعلاً كبيراً من القراء ومتابعة من وسائل اعلام عربية وعالمية.

وحيث كتب الأسطورة السطر الأخير من حياة حافلة بالانجازات والمتاعب على حد سواء، بعدما رحل بهدوء في منزله وبخبر شكل صدمة كبيرة لكل محبي اللعبة ومتابعيها على مستوى العالم، فإننا نستعرض ومن خلال حلقتين، بعض التفاصيل التي لم تنشر من المقابلة التاريخية.

كان السؤال يتمحور حول تقييمه لمسيرته التدريبية مع المنتخب الارجنتيني والخروج من دور الثمانية لمونديال 2010 بخسارة مؤلمة أمام المنتخب الألماني، ليتحدث بإسهاب عن سعادته الكبيرة عندما اسندت له المهمة في وقت صعب "كان المنتخب يعاني في التصفيات، وبدا خطر عدم التأهل للمونديال يلوح بالآفق، ليعرض رئيس الاتحاد جروندونا ومستشاره الفني كارلوس بيلاردو مهمة الادارة الفنية للمنتخب لي، فوافقت بسرعة وأخذنا نضع الخطط لتجاوز -المحنة- وتمكنا من العودة للطريق الصحيح بانتصارات متتالية لنمضي نحو التأهل الصعب الى مونديال جنوب افريقيا".

وتابع : تجاوزنا مجموعتنا في الدور الاول من المونديال بمركز الصدارة ومن ثم تخطينا دور الـ 16 بنجاح وصولاً الى مباراتنا مع المانيا، ولم نكن محظوظين بعدما تلقينا هدفاً في الدققية الثانية بعد خطأ على حدود منطقة الجزاء، وهذا أثر علينا بشكل رسمي وحاصرنا منطقة الجزاء الالمانية بحثاً عن التعادل لكننا تلقينا صدمة ثانية عبر هجمة مرتدة، وهكذا مضت المباراة بسيطرة كاملة لنا دون توفيق، وبنجاعة عالية للاعبي ألمانيا الذين سجلوا كل الفرص التي سنحت لهم، وهذه كرة القدم".

المثير للدهشة أن مارادونا الذي دافع عن لاعبيه وخصوصا ليونيل ميسي، بعد اتهامات بالتخاذل، صب خلال استعراضه لتلك التفاصيل جام غضبه على المستشار الفني للاتحاد، آنذاك، كارلوس بيلاردو "لم يكن صادقاً معي، مع أنني ساهمت بتخليد أسمه بسجلات الأبطال بعدما حققنا لقب مونديال المكسيك 1986، حيث كان مدرباً للمنتخب، والنقاد اطلقوا على البطولة -مونديال مارادونا-، لكنه للأسف لم يقف معي وخدعني وساهم بقرار ابعادي عن المنتخب بعد مونديال جنوب افريقيا وبالتنسيق مع جروندونا".

فجأة، وبالقفز عن اجابة سؤال أخر، عاد مارادونا الى تفاصيل مونديال المكسيك "حصلت على لقب اللاعب الأفضل في البطولة وفزنا باللقب الغالي، وما لا يعرفه الكثيرون أنني كنت ايضاً المدرب في غرفة اللاعبين، كنت أحفزهم واتحدث معهم عن التكتيك وطريقة الأداء والخيارات المتاحة، وكنت أقود المنظومة داخل الملعب". ليسود الهدوء، ومن ثم يقول وبصوت واثق "لقد حققت لقب المونديال كلاعب ومدرب، وأرجعوا الى أصل الحكاية في بطولة المكسيك لتتأكدوا من ذلك".