«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة السادسة عشرة..

أكلاتنا في الغربة

صديقتي العزيزة دلال

حدثتك في رسالتي السابقة عن الأكل ضمن حوارنا عن الدعم النفسي، وكيف أني تناولت كثيراً من الأكلات المصرية في كندا، فأحببت أن أستكمل معك قصتي مع الأكلات، فالأكلات خاصة الجديد منها بالنسبة لي فرصة للتعرف على ثقافات جديدة، وأنت ومعظم أصدقائي يعرفون عني أني أحب تجربة كل جديد، ووجدتها فرصة أن أجرب أكلات جديدة لا أعرفها، خاصة أن علاقتي بالمطبخ والطبيخ مثل علاقتي باللغة الصينية بالضبط، أما اختراع البوتجاز فهو عندي في شقتي الحالية مجرد ديكور يكمل شكل المطبخ ولا استخدمه إلا نادرا.

ولدي هنا فرصة كبيرة للتعرف على أكلات وثقافات مختلفة لوجود كل الجنسيات من كل أنحاء العالم، وكل جنسية يحرص أصحابها على وجود مطعم أو عدة مطاعم يقدمون فيها أكلاتهم، فهناك مطاعم منتشرة بجزر الكاريبي يقدمون فيها أكلاتهم، ومطعم للسنغاليين، وآخر لليابانيين وثالث للكوريين وهكذا تقريبا لا توجد جنسية لا يوجد مطعم لأكلاتها.

ونفس الأمر بالنسبة للجنسيات العربية، وقد يكون هناك قاسم مشترك دائما في الأكلات العربية، إنما دائما نفس الأكلة تتم بنكهة مختلفة حسب البلد.

وتعرفت مصادفة من خلال الفيسبوك على سيدة جزائرية أسمها نوال وهي طباخة ماهرة، تقوم بتقديم طبخات عربية معظمها من الجزائر ووجدتها فرصة لأتذوق طبخات جديدة، وبالفعل تذوقت العديد من هذه الأكلات مثل «البايلا» وهي أكلة أسبانية من أصول أندلسية مكونة من سمك، وجمبري، وكلماري، ورز وبصل وثوم وبقدونس وكسبرة وطماطم.

وأكله أخرى هي "التليتلي" وهي من الشرق الجزائري عبارة عن لسان العصفور بالدجاج والحمص والزيتون الأخضر منزوع النوى ومزين بالبيض المسلوق، ثم تذوقت طاجن البازلاء بالأرضي الشوكي، وظللت أتحاور معها لأفهم ما هو الأرضي الشوكي، فأرسلت لي صورة له فضحكت كثيرا وقلت لها أسمه عندنا "خرشوف".

ولي أيضا قصص كثيرة وطرائف مع الأكلات في دول مختلفة، وأتذكر عندما زرت ألمانيا في 1996، كنت حريصاً أن أتناول أكل حلال، وفي مطعم الفندق لم يكونوا يتحدثون الإنجليزية، ولكن استطعت أن أصل معهم لكلمة دجاج، فجاءت لي العاملة بطبق به جزر وأرز وشيء أصفر مثل العدس، وبه بعض اللحم مقطع قطعًا صغيرة، فسألتها أين الدجاج، فأشارت إلى القطع الصغيرة الصفراء بالطبق!.. ولم أعرف اسم الأكلة حتى الآن.

أما في الهند، فالأكل كله حار جدا، وكنت أطلب وأؤكد على الجرسون ألا يكون الأكل حار، ويؤكد لي أنه غير حار، وعندما أبدأ في الأكل أجده حاراً جداً، واكتشفت أن طبيعة تكوين الأكل لديهم من بهارات تجعله بهذا الشكل.

وفي أميركا، وعند صديقي الأديب الكبير عاطف يوسف ببوسطن، أعدت زوجته الرائعة جون عشاءً مصريا ترحيبا بي عبارة عن رز بالمكرونة الشعرية وفاصوليا خضراء، ولكنها أضافت طبق «بيف برجونيون» وهي أكلة فرنسية لذيذة جدًّا، عبارة عن لحم مهروس بالجزر، و«برجونيون» اسم مقاطعة بفرنسا، هذه المقاطعة تشتهر بإنتاج الخمور بنفس الاسم، ويمثل هذا الإنتاج جزءًا هامًّا من الاقتصاد الفرنسي؛ لأنهم يصدرونه، ويعتبر من الماركات العالمية للخمور، والمفترض أن يتم نقع اللحم في الخمر ليتم تسويتها، ولكن جون لم تطبخها بالخمر من أجلي، وتأكدت أن جون ماهرة في الطبخ جدًّا.

وفي سلطنة عمان، ومع صديقي العزيز الأديب الكبير محمد سيف الرحبي أكلت معه «القبولي» وهي من الأكلات العمانية الشهيرة وهي عبارة عن أرز به قطع صغيرة من اللحم، وأيضا «الشواء» وهي عبارة عن أرز أيضًا مع قطع لحم كبيرة «هبر» وفي الشواء، يتم شواء اللحم داخل «التنور» حيث يحفر في الرمل، ويتم وضع اللحم مغلف لمدة يوم أو يومين في درجة حرارة معينة حتى يتم شواؤه، وهي أكلة كانت مرتبطة بالأعياد إلا أنها أصبحت تقدم طوال العام.

وهكذا، دائما يكون الطعام وسيلة للتعرف على ثقافة الآخر، لأنه دائما حوار مشترك مع أي جنسية وفي أي مكان، وبالتأكيد أنت مررت بتجارب مختلفة في هذا الإطار، يسعدني التعرف عليها.

حسام عبد القادر

خبزت قلبها رغيفا لنا

يسعد أوقاتك كابتن حسام

هكذا ودون قصد مني أنجزت دوراني والتفافي الحلزوني على موضوع رسالتك، ليس لأنني لا أتقن أبجدية المطبخ! ولكن لأن الشرق الأسطوري قد نقش في روحي خطوطه ومداخله المؤدية إلى كستناء المجاز، من الزهرة إلى الثمرة!ـ

وهنا أجدني أستحضر طيف جدتي، وأساطيرها المتشعبة، تلك السيدة التي خبزت قلبها رغيفا لا ينضب! واعتنقت خيط التقاليد والتراث، وربطت نفسها بحبال الضوء المتصلة بالقمر (بالفينيقية عليسة أليسار، والملكة الأمازيغية داهيّة، وعشتار وإينانا وعرائس الإنشاد الشرقي).

استجبت لإنزياح رسالتي نحو قصيدة اكتملت في الوزن والقافية وصارت جدتي الحكاية.

أصابعها التي نسجت من وبر الضياء قلادة لقلبها وقصعة طعام لا تفرغ وسوار من دعواتها ولين ذراعها، أحاط بنا عائلة كبيرة محظوظة، تسترجع طفولتها حتى أنفاس رحم الابتهالات.

كأن الجمال كله صار طبق حكاياها، ورائحتها وانفلات توابل كلماتها وعسل صلاتها!

أدفن رأسي الآن في اتساع صدرها، العبق برائحة العنبر الجزائري، والزعتر الفلسطيني، والياسمين الدمشقي، آآه جدتي ذاك الغياب!.

(خبزت قلبها رغيفا لنا)

أتأمل الآن ذلك الأثر الذي تركته بصيرتها الصافية الحكيمة، حين أعادت ترتيب يومياتنا برذاذ الماء المعطر بالعنبر، في مذاق طبق الحكايا الطازج، المشغول على نار هادئة.

رسالتك حسام، قادتني إلى بيت الجدة، في دمشق، سنوات بعيدة مضت، روائح أزهار البرتقال، والياسمين تختلط بروائح طعامها المدهش، في طبق لا يخلو من الحكايا.

جدتي سيدة الحكايا، شهرزاد الحكاية، فلكل مائدة حكاية! ولكل طبق حكاية، تشدو وتمنحنا إيقاع الحياة بحكمة، تتلألأ كنوافير النجوم، لم تكن إلا رحالة بين الثقافات والحضارات، موسوعة تجارب تجمع رحيقها في صناديق مشرعة للضوء، للمتسكعين في أزقة وجدانها، لتهدئ زوابع السفر، وفوضى الحياة.

حيوات، وشخوص، وأشياء وحوادث، تمسح غبش النوافذ على مائدة مضيئة، بلذة وطعم المعرفة، تطوف من أعماق روحها.

أما نحن فنبعثر شذا كلماتها فوق سطوح يومياتنا، وننجرف مع ينابيعها الدافئة، ونسقط كحبات المطر.

ثقافتها العفوية الآسرة، حكمتها، حضورها الشفاف، رعشة صوتها، كلماتها ومخارج حروفها، كفها الدافئ، وابتسامتها العنبرية، رسمت لوحة شهية للحياة.

كانت موائدها، مناسبة وطقوسا (لنشر المحبة وصناعة الفرح، لفض الخلافات ومحو العتاب، للتسامح والإرشاد).

حكاياها عن الحب، عن عيون الليل، عن قلب يتدحرج بين أذرع الأقدار! عن أنين الشوق الخافت، عن صقر يحتمي بحمامة! عن خمرة البلح، عن شهرزاد الحكاية، تجر أقمارا ونجوما في سماء حجرية.

إحكي ياجدتي، نشتهي نتف الكلام في طبق توابلك الشرقية.

حكاياها في مواجهة راديو جدي، وأخبار النزاعات والحروب والدمار، مواجهة بين حقائق صراعات الغابة وشرائعها؟ وبين حكاياها وروحا المضيئة بإنشطارات ضوئية متوهجة، أبصرنا من خلالها العالم، في أطباق حكايا منسوجة بعمق وحكمة وذكاء لامع، جعلتنا نحلق كالقبرات بأفكارها الطليقة، بقعة ناصعة البياض، تتنفس برئتي حكاية، هادئة ومطمئنة.

ونحن على موائد ألغازها المحيرة، نستند إلى نكهة التفاصيل، نتذوق الحكمة ونمضغ لقيمات فرح التعلم، على شواطئ ذاكرتها الطازجة.

جدتي سيدة الحكايا، رنين أجراس ضحكتها، نوارس تحلق أبعد من بوابات دمشق السبعة، طيفها، شالها المرتعش، أحتضنه في الغياب وأضم فراغ الحضور.

شكرا حسام لرسالتك، شرعت الصناديق المغلقة على حكايا لا تموت .

د. دلال مقاري باوش