من القضايا الكبرى التي وضحتها الشريعة الإسلامية ودعت إليها قضية الإله، فهي من الحقائق الأساسية والمحورية في معتقدات البشر، وهي أصل القيم ومنبعها، فعقيدة الإسلام تقر وتؤمن بوجود إله هو (الله تبارك وتعالى) واحد بذاته وواحد بصفاته وواحد بأفعاله، ليس له شريك، ولا زوجة ولا ولد ولا أم ولا أب، ولا نظير ولا كفؤوهو مخبر عن نفسه بقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد) سورة الإخلاص.

لأن تعدد الآلهة ووجود الشريك للإله يقتضي عقلاً التنازع والعلو والمرتبة فيما بين الآلهة وهذا محال في حق الإله المطلق، قال الله تبارك وتعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) سورة المؤمنون: 91.

وأنه رب العالمين خالق الكون المتصرف فيه كما أخبر هو عن نفسه (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) سورة الأعراف:54.

وأنهخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق الكون بما فيه من سماوات وشمس وقمر ونجوم وسائر الكواكب، وخلق الأرض وما فيها من أشجار ونبات وبحار وأنهار وكائنات حية متنوعة.

فكل ما سوى الله مخلوق من مخلوقات الله تعالى، وأن خلق الله تعالى خلق منظم بغاية الدقة والإحكام الذي يفوق كل قدرات الكائنات بما فيها الإنسان، إذ يستحيل عقلاً أن هذا الخلق المحكم المنظم وجد صدفة أو أوجد نفسه بنفسه فلا بد من موجد وخالق له يتصف بصفات الكمال اللامتناهية، ذلك هو الله سبحانه وتعالى القائل: (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) سورة لقمان: 11، ولم يعرف أن أحداً من الخلق ادعى أنه هو خالق هذا الكون.

والله تبارك وتعالى متصف بصفات واجبة له تليق بجلاله وعزته، تتمثل بصفة الوجود أي كونه موجوداً، وصفة القدم المنافية للعدم، وصفة البقاء المنافية للفناء، وأنه قائم بنفسه، أي: مستغنٍ عن غيره وعن المكان، وأنه مخالف للحوادث، وهي: كل ما سوى الله تعالى، وأن من الصفات الواجبة له؛ القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والكلام، والسمع، والبصر، وهذه الصفات تقتضي أنه؛ حي، عليم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، وأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء من خلقه، كما في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الشورى: 11.وأن هذه العقيدة هي التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ودعوا الناس إليها.

ومما يجب اعتقاده هو أن هذه الصفات ثابتة لله تبارك وتعالى بالسمع (أي بالنص الثابت القطعي) وثابتة بالعقل كذلك، ويتضح الفهم عقلاً بمثال لإحدى هذه الصفات وهي صفة القدرة، فهي صفة ثابتة بالعقل فالعقل لا يتصور إلهاً عاجزاً، كما أنها ثابتة بالسماع من النص وهو أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.

والله سبحانه وتعالى لا يحويه المكان ولا يحتاج إلى المكان؛ لأن المكان مخلوق والخالق غني عن المخلوق، وأنه منزه عن كل نقص، والتوحيد هو الإقرار بأن الله تعالى هو الحق وأنه واحد لا شريك له ولا يحتاج لشريك معه: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُتَكْبِيرًا) سورة الإسراء: 111.

وفي مقابل هذه العقيدة فقد تعددت معتقدات الأمم حول مفهوم الإله وماهيته، ومجمل معتقدات الأمم ومفهومها عن الإله تتمثل بما يأتي:

القسم الأول:أنكروا وجود إله من الأصل فلا يعتقدون بوجود خالق للكون.

القسم الثاني: يعتقدون بوجود إله وخالق للكون، وهما على فريقين: الأول: يعتقدون أنه ليس إلهاً واحداً، بل هم مجموعة من الآلهة. الثاني: يجعلون للإله أبناء وشركاء معه.

القسم الثالث:يعتقدون بألوهية المظاهرالكونية كالشمس والقمر والنجوم والبقر والأصنام والتماثيل المصنوعة من الحجارة وغيرها.

ولطالما ظلت مسألة (الإله) من القيم والقضايا الجدلية بين الناس، خاصة بمعيار الموروث المتعصب والمنحرف الذي يعتبره المقلدون لأسلافهم معتقد الآباء والأجداد الذي يجب الاحتفاظ به واعتقاده وإن أنكره العقل السليم، فهو في نظرهم المعتقد المقدم والأولى بالإتباع حتى لو كان هذ الموروثيوجب على الأتباع والمقلدين أن يعتقدوا بألوهية الحجارة والتماثيل والأصنام والنار والشمس والقمر والبقر والحيوانات وغيرها من المخلوقات والموجودات القاصرة التي لا تسمع ولا تجيب ولا تضر ولا تنفع.

ولهذا الموروث الخاطىء أرسل الله تعالى رسله لهداية الناس من هذه الظلمات والخرافات، فالصدام والتحدي كان بين معتقدين؛ معتقد الآباء والأجداد، وبين معتقد الحق الذي جاء به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وعن هذين المعتقدين يقول الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) سورة البقرة: 170.

وقال الله تبارك وتعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} الزخرف:23. فحري بكل عاقل من الناس البحث والتمعن والفحص بدقيق فكر وموضوعية وتجرد وسلامة قلب عن حقيقة الإله الذي يعتقد، وعن خالق هذا الكون ومدبره بعيداً عن موروث الآباء والأجداد.

Dr.fadikareem@yahoo.com