تصادف يوم بعد غد ذكرى إستشهاد وصفي التل، وبالرغم من مرور نصف قرن على ذلك، فإن احدا لا يستطيع ان يجادل بأن وصفي هو الاكثر حضورا في وجدان الأردنيين ويومياتهم، منذ أن أصابته رصاصة الغدر، الذي تمكن من وصفي الجسد، ولم يتمكن من وصفي الفكرة التي منحتها رصاصة الغدر خلوداً ابدياً، بانتظار من يأتي ليجسدها على أرض الواقع، وهذه مهمة تحتاج إلى رجل فيه مواصفات كمواصفات وصفي, وأولها ان الرجل كان واضحا صريحا لايكذب ولايجامل ولاتشغله تفاصيل العمل اليومي عن أهدافه الاستراتيجية، وثانيها أنه لم يكن في يوم من الأيام موظفاً يطلب لقمة عيش وتسخره الوظيفة فتقوده ولا يقودها، وهنا نحب أن نذكر بأن من مآخذ الأردنيين على الكثيرين من رؤساء الوزارات والوزراء هذه الأيام،أنهم تحولوا إلى مجرد موظفين يصرفون أعمالا، بينما كان وصفي صاحب مشروع وتصور للدولة الأردنية ولأدوارها خاصة على الصعيد القومي، ولو كان وصفي مجرد موظف لما كان له كل هذا الحضور في حياة الأردنيين، رغم مرور كل هذه العقود على رحيله، بينما لا يشعر الأردنيون بوجود الكثيرين من الذين مازالوا يدبون على وجه الأرض، لأنهم كانوا مجرد موظفين يصرفون أعمالا لا رأي لهم فيها، وإن كانوا في الظاهر رؤساء ووزراء ومدراء، لذلك كان وصفي عونا لمليكه، بينما صار آخرون عبئا على قيادتنا.

أما الثالثة فإن وصفي لم يكن صاحب أجندة خاصة، لكنه كان صاحب مشروع قومي معلن، فالرجل لم يكن من الذين يخفون مشروعهم ودور الأردن المركزي فيه، بل إن جزءا من مشروعه كُتب في رئاسة الوزراء يوم كان رئيساً للوزراء، بعنوان خطة تحرير فلسطين، باعتبارها جزءا من مشروع وطن وأمة، وليست أجندة خاصة لوصفي, مما يعني بالضرورة معرفة جلالة المغفور له بهذا المشروع, نظراً لقرب الشهيد من جلالته, مما لا يجوز معه أن يوصف بأن ذلك كله أجندة شخصية لوصفي، نعرف كلنا أنه لم يكن صاحب أجندات شخصية، وأنه لم يضمر لوطنه ولمليكه إلا كل خير، فليس في سجل الرجل شبهة تآمر على النظام الملكي الأردني.

لقد كان وصفي واضحاً وضوح الشمس لا يخفي أفكاره ومشاريعه وتطلعه لتحويل الأردن إلى قاعدة للتحرير العربي، فقد كان هذا المشروع موضوع نقاش في محاضراته وندواته، وكل من يقرأ بيانات حكوماته وكلماته في مجلس الأعيان وفي مؤتمراته الصحفية سيجد هذا المشروع حاضراً فيها بأشكال مختلفة وكذلك، دور الأردن في هذا المشروع. خاصة ما يتعلق منه بتثوير الجبهة الرابعة التي عرفت فيما بعد بالانتفاضة، التي اندلعت في فلسطين المحتلة، لتؤكد سلامة تفكير وصفي الذي كان يستشرف المستقبل وهذه من صفات الرجال الكبار أولي العزم الذين يؤمنون بقدرات شعوبهم على النهوض والتحدي، وهذه صفة لا يفهمها أصحاب الهمم الخائرة الذين يستسلمون للواقع وينهزمون أمامه ولم يكن وصفي منهم.

Bilal.tall@yahoo.com