«الوعي حجر الأساس» في محاربة أي ظاهرة بما فيها المرض مهما كان خطيرا، والأرقام وحدها تبرز مدى تقدمنا في التعامل مع أي ظاهرة، ومن هنا جاءت حملة «وراء كل رقم حياة» التي أطلقها مركز الحسين للسرطان، فحملت في ثناياها، رسالة هادفة ذات معان عميقة وسامية تشجع على الكشف المبكر لسرطان الثدي.

البرنامج الوطني لمحاربة السرطان انطلق منذ عام 2007، رافعا في كل عام شعارا جديدا، والمهم أن هذا البرنامج تمكن من إشاعة الوعي بين الأردنيين إلى حد معقول، وخصوصا الإناث منهن بالمسارعة إلى إجراء الفحص المبكر لأهميته في إنقاذ حياة المريض.

تأتي أهمية الحملة الحالية كجزء من برنامج ممتد فقبل انطلاقه كانت غالبية الحالات المكتشفة في مراحل متقدمة يصعب النجاة منها، ومع انطلاقه تؤشر الأرقام على أن البرنامج خلق حالة كبيرة من الوعي لدى الأردنيين نساء ورجالا، حيث تراجعت نسبة اكتشاف الحالات المتقدمة للمرض في المرحلة الرابعة إلى الثالثة والثانية، وهو ما يعني بكل تأكيد فرصة أكبر لانقاذ المرضى، وفقا لما صرحت به الدكتور يسار قتيبة مديرة وحدة الكشف المبكر عن السرطان.

وضعت الحملة بين عينيها هدفا ساميا يتمثل في دفع الأردنيين، وخصوصا الإناث إلى الفحص سنويا لمحاصرة المرض واكتشافه في حالة مبكرة، عندما تأكد لديها أن نسبة الشفاء تصل إلى 95 بالمئة في حال اكتشافه مبكرا.

الحملة وفق ما يتوفر من معلومات تشير إلى أن نسبة الكشف المتأخر عن سرطان الثدي تراجعت من 70 بالمئة إلى 35 بالمئة، وهي قفزة نوعية في إطار إنقاذ المصابات، وتمكين نصفهن على الأقل من نسب شفاء عالية.

الانجازات السابقة للحملة لم تتأت من فراغ، بل جاءت عبر جهد سنوات بالشراكة مع مؤسسات الوطن المعنية، وخصوصا الإعلام، فقد حقق نجاحات كبيرة في هذا الإطار، وأشاع ورسّخ وعيا كبيرا بين الأردنيات بضرورة إجراء الفحص المبكر ما أدى لخفض نسب الوفيات.

لكن الهدف سام والطريق طويل ويحتاج إلى صبر كل المحاربين في هذا المضمار، ولهذا يبقى الوعي هو السلاح الأساس في هذه المعركة، لذا فإنه يمكن زيادة الوعي في المجتمع وجعله جزءا أصيلا من ثقافته، عبر استثمار بعض المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات لهذه الغاية، فـ«أطفال وشباب اليوم.. جيل المستقبل» فكلما ازدادت ثقافتهم وووعيهم، حصدنا ثمارا تؤتي أكلها في المستقبل. وفي هذا الإطار تظهر أهمية أن تركز المناهج الدراسية بشكل أكبر على ظاهرة السرطان وكيفية محاربته والنجاة منه من خلال مجموعة من النصائح أهمها ترسيخ ثقافة الكشف المبكر وتنجنب الأغذية غير الصحية التي تضاعف من فرص الإصابة بالسرطان. وفي هذا يقول أطباء مختصون بالكشف المبكر إن الأبناء والبنات هم الوسطاء بيننا وبين أمهاتهم، اذ ان كثيرا من النسوة تمت مرافقتهن عند الكشف المبكر من قبل أبنائهن وبناتهن.

ختاماً، كلنا شركاء في هذه الحملة صغارا وكبارا، ما يتطلب مبادرة من الجميع، كل من طرفه لتشجيع نساء أسرته على الكشف المبكر، ما يساهم في زيادة أرقام الكشف المبكر ومساعدة الحملة في إيصال رسالتها وتحقيق هدفها السامي؛ لأنه حقا ليس مجرد رقم، وإنما وراء كل رقم حياة.

بناء الوعي عموما لا يتأتى بين يوم وليلة، ونحته في ثقافة شعب يحتاج عشرات السنين، لهذا يبقى سلاحا الإعلام والمناهج الدراسية في المقدمة.