عمان - أحمد الطراونة

يتساءل أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنيّة د.جورج الفار: ماذا يعني أن تكتب مذكراتك، تأملاتك وعصارة أفكارك وأنت في هذا العمر وفِي هذا التوقيت بالذات؟ أهو شبه وداع للحياة ذاتها أم احتفاء بمحطاتها ومنعرجاتها؛ ماضيها، حاضرها ومستقبلها؟

ويضيف الفار في مقدمة كتابه الأخير «بين حياتين-ما يشبه المذكرات» أن نسج المذكرات يعني أمرين؛ الإيمان بأن لهذه الاستعادة التاريخية أهمية قصوى ليس بالنسبة لك فقط بل بالنسبة للرأي العام؛ الناس الذين تعرفهم ويعرفونك عن قرب أو من يتابعونك عن بعد أو من لم يعرفوك البتّة وتريدهم أن يتعرفوا عليك أكثر عبر الكتابة. ويعني الأمر الثاني أنك من المحتفين بالحياة تحب استحضار ماضيك لتتصالح معه وتصهره مع محطّة حياتك الحاضرة حتى تنجح في التقدم خطوة أخرى نحو المستقبل بعد أن أنجزت تلك المهمة، ظانّا انه من الجماعة الثانية، دعاة الاحتفاء والمصالحة وتوحيد الحياة.

ويتابع بقوله: «لأنني أعمل في مضمار الفلسفة وتدريسها، فهذا يتطلب البحث معمقا في الإنسان ذاته؛ فماذا لو جعلت من نفسي حالاً دراسية (موضوعية) نموذجية تصلح للبحث وتحليل الظروف التي صاحبتها والأزمان التي عايشتها؟».

ويؤكد الفار أنه من الصعب تحقيق الموضوعية في الدراسات الإنسانية، فكيف إذا كانت تلك الدراسة نبشا في الذاكرة ومحاولة للدفاع عن النفس وتبريرها؟ فلا يصلح البحث والدراسة في مثل هذه الحال، وإنما يصلح أكثر في الدراسات الأدبية المرتبطة بحقل المذكرات الشخصية؛ وهي نمط من الأدب المتفرد يكتسب شرعيته إذا تمكن من العبور من الخاص إلى الفضاء العام عن طريق الإبداع السردي. بمعنى آخر، «يراهن كاتب السيرة على تقاطعات الحياة الإنسانية وجوهرها؛ وكأنه يقول: هذه هي الحياة التي عشتها، فكيف عشتم حياتكم؟ كما يطرح سؤال: هل ثمّة تقاطعات بين سارد السيرة وجمهوره في طريقة الحياة وفهمها على الأقل، وكذا الإحساس الداخلي والمواقف الطبيعية تجاهها؟».

ويحاول الفار الإجابة عن سؤال: لماذا جمعت مذكراتي في كتاب، ولماذا نشرتها بعد أن علّقتها في حلقات على منصّة الكترونية وكأنني ارتكبت فعل حماقة عليّ الدفاع عنه، وفِي الواقع مارست فعل كتابة باستمتاع ورأيت أنه يمكن أن يكون ذا فائدة في روايتي لتجربة حياتي؟

ويتحدث الكتاب عن حياة المؤلف منذ الطفولة، ليس بتسلسل زمني بل بتسلسل فكري، فقد توزعت شذرات من سيرته الذاتية في كتبه السابقة: «حديقة راهب،. سر الكاهن وبوح الراهب» الذي صدر في عام 2001، و«عاريا أمام الحقيقة» في عام 2009، و«خرجت على القطيع» في عام 2017.

ويلفت الفار الى أهمية التحرر من الفكر الطائفي، مبينا أنه بدأ من هنا تحرير ذاته متخذاً قراراً مصيرياً بأن يترك منصبه الديني السابق ويبدأ حياة جديدة حرة، وكان للفلسفة الأثر الأكبر في نقله «من حياة المعتقدات إلى دنيا التنوير العقلي».

يذكر أن د.جورج الفار وُلد في مادبا، وحصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة اللاتران في روما بإيطاليا، وشهادة البكالوريوس في اللاهوت من الجامعة نفسها، وشهادة الدبلوم العالي في الفلسفة العربية الإسلامية من الجامعة اليسوعية في لبنان، وحصل على شهادتَي الماجستير والدكتوراة في اللاهوت من جامعة اللاتران، وشهادة الماجستير في الفلسفة من جامعة كليرمونت الأميركية، وشهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة الروح القدس في لبنان.

عمل الفار مديراً لمدارس البطريركية اللاتينية بمادبا، ومدرّساً لمادة اللاهوت في جامعة بيت لحم/ فرع عمّان، ثم انتقل لتدريس الفلسفة في الجامعة الأردنية، وهو عضو في كل من رابطة الكتّاب الأردنيين، والجمعية الفلسفية الأردنية، والجمعية الفلسفية العربية.