الدكتورنبيل راغب هو مفكر وكاتب مسرحي وسينمائي وروائي وناقد أدبي من مصر, له عشرات المؤلفات المتنوعة ومنها هذا الكتاب (غسيل المخ- كيف يغيب العقل ومتي) الذي صدر عام 1998 في القاهرة.

ومن مقدمة الكتاب يشير الى:

إن غسيل المخ من القضايا أو المصطلحات الحافلة بالكثير من الغموض والإثارة, برغم إمكان تداولها على الألسنة بين الناس في حياتهم, وتزداد عناصر الغموض والإثارة عندما يدرك هؤلاء الناس أن عمليات غسيل المخ لم تعد قاصرة على أهدافها التقليدية, في مجال توجيه الفكر والسلوك الإنساني للفرد الحر ضد إرادته وعقله؛ مستخدمة في ذلك وسائلها المتعددة في سلب إرادته وغسل مخه، ثم شحنه بأفكار مضادة لتلك التي كان يعتنقها.، مما يترتب عليه سلوكيات مناقضة لما كان يتبعه من قبل، فقد كان هذا هو الأسلوب التقليدي الذي تتبعه السلطات وأجهزة المخابرات في مختلف بلاد العالم، شرقية وغربية، خاصة في فترات الطوارئ والحروب والصراعات المختلفة.

لكن مع التطورات الضخمة التی تحققت في مجالات علم النفس والاجتماع والإعلام والدعاية والإعلان والتعليم والسياسة والاقتصاد والأنثروبولوجيا، بل والفسيولوجيا والبيولوجيا.

لذا فإن مجالات غسيل المخ اتسعت وتعمقت حتی كادت أن تشمل معظم جوانب الحياة اليومية, سواء على المستوى الفردی أم المستوی الجمعي، فقد أصبح عقل الإنسان عرضة لعدد لا يُحصی من المؤثرات المباشرة وغير المباشرة الواعية وغير الواعية العامة والخاصة الرسمية والشعبية, بحيث يصعب القول بان الإنسان هو سيد موقفه, وهو على مشارف القرن الحادی والعشرين.

بل إن بعض المفكرين قد بلغ به التشاؤم حداً جعله يصرح بأن إرادة الفرد الحر قد أصبحت وهماً لان مخه يتم غسيله أولاً بأول من كل الأطراف المعنية، وأن ما يتوهم انها أفكاره وأوهامه وأراؤه الأثيرة هو في حقيقة امره أفكار وآراء صنعت خصيصاً له، وتم شحن عقله به!! وهو يتصور أنها من بنات افكاره.

حتی القائمين بعمليات غسيل المخ سواء أكانوا أفراداً ام مؤسسات، هم بدورهم عرضة لغسيل المخ من اطراف أخرى.. أي أن غسيل المخ أصبح دائرة جهنمية أو سلسلة متصلة الحلقات من التأثير والتأثر المتبادلين، وإن كانت نسب فاعليته تتراوح بين شخص وآخر وموقف وآخر.

وكان السبب في تأليف هذا الكتاب، ظاهرة جديرة بالالتفات والتحليل. وتتمثل في أن انتشار عمليات غسيل المخ على مستويات كثيرة وتأثيرها العميق في حياة الأفراد والمجتمعات، لم يؤديا إلى دراسات مستفيضة ومركزة في هذا المجال، فإنه–على حد علمنا–لا يوجد في المكتبة العربية كتاب متخصص ينير الجنبات المظلمة والغامضة والمثيرة لعمليات غسيل المخ!!.

أما في المكتبة الأجنبية فإن الكتب التى تناولت هذا الموضوع في الربع الأخير من القرن العشرين، قامت بتحليله ضمن موضوعات أخرى مثل قابلية الإنسان للتشكيل والصياغة, ومحاولات برمجة البشر والحيوانات، واكتشافات الهندسة البشرية والوراثية وبرامج التحكم في أمزجة الجماهير وأيضاً في ذكاء الفرد، وتغيير الشخصية الإنسانية، والاستحواذ التام على الجماهير، ومحاولات إنتاج السوبرمان. ومنهجة السلوك الإنساني، وصياغة اتجاهات الرأي الخاص والعام... إلخ. لكن هذه الكتب لم تفرد كتابا خاصاً كموضوع غسيل المخ.

في مقدمة هذه الكتب كتاب جون واطسون «النظرية السلوكية»، وكتاب ستيفن ريتشارد سون «تأثير البيئة على الذكاء»، وكتاب «عصر الإعلان» لمجموعة من المؤلفين، وكتاب روجر ستروجان «تعليم الأخلاق للأطفال»، وكتاب بیتر رداي «الخدمة الاجتماعية والانضباط الاجتماعي»، وكتاب ولیم بينز «الهندسة الوراثية»، وكتاب م.هـ.كنج «التغذية في البلدان النامية»، وكتاب توماس أ.هاريس «التوافق النفسي»، وكتاب فانس باكارد «صائغو البشر».

ومن هنا نشأت فكرة تأليف هذا الكتاب حتى يلم القارئ العربي بأبعاد عمليات غسيل المخ، وكيف يغيب العقل ومتى؟! إذ إنه برغم الأمواج المتلاطمة لغسيل المخ في المجتمع، فإن الإنسان الواعي والناضج فكرا وسلوكا، لا يزال قادرا–إلى حد ما- على التفكير المستقل والرؤية النقدية والمنهج التحليلى الذي يجنبه الإصابة بالتشويش والتشتت والضياع، بحيث لا يسمح لنفسه أن يصبح فردا في قطيع لا يعرف من اين أتى وإلى أين سيذهب؟!.

إن العقل هو أعظم هبة منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان، والبوصلة التي تهديه سواء السبيل بين أمواج الحياة الهادرة والمتلاطمة، ويوم يفقد القدرة على تنمية هذه الهبة أو استخدام هذه البوصلة فإنه بالتالي يفقد إنسانيته ذاتها.

وهذا الكتاب بمثابة نافذة مفتوحة على كل عمليات غسيل المخ واساليبه وحيله وخدعه ومستوياته ومجالاته المنتشرة في شتی بلاد العالم المعاصر، بصرف النظر عن اختلاف الأنظمة السياسية التي تحكمها، بحيث يدرك القارئ العربي أن أي تلاعب بعقله هو استهانة بكيانه الإنساني ككل ولذلك تناولت فصول الكتاب الستة مفاهيم وقضايا و عمليات غسيل المخ بالدراسة التاريخية والعلمية والتحليلية التي ألقت الأضواء على الوسائل والغايات التقليدية لغسيل المخ، وعلى عنصر الإيحاء بصفته الأداة الرئيسية والمتطورة والمتشعبة في هذا المجال، ثم عالم الدعاية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والفنية، ثم أساليب الإعلان التي تسعى لغسيل مخ كل من يتعرض لها، ثم عمليات التنويم المغناطيسي التي لم تعد قاصرة على فترات التنويم الفعلي بل يمكن ممارستها في اشد حالات اليقظة عند الإنسان.

ثم يأتي الفصل الأخير في هذه الدراسة ليثبت قدرة عمليات غسيل المخ على استيعاب أحدث التطورات العلمية كما تتمثل في الهندسة الوراثية أو الهندسة البشرية التی جعلت من المخ البشري مجال للتلاعب بوظائفه وخصائصه التى فطر عليها، وهي الظاهرة الخطيرة التي أصبحت تهدد الإنسانية جمعاء بالانحراف بعيدا عن مسارها الذي خلقت له.

إن غسيل المخ هو القضية الملحة والخطيرة في هذا العصر، وهو قضية مصيرية لا يمكن أن نمر عليها مر الكرام؛ لأنها يمكن أن تفرض نفسها على كل مراحل بناء الإنسان بحيث يمكن أن تثبت فيه العزيمة والإرادة والتنوير والرؤية الثاقبة فترسخ من وجوده وتثبته على أرض صلبة، وتضيء له معالم الطريق نحو مستقبل مشرق وأفق جديد.

وفي الوقت نفسه يمكن أن تبث فيه التردد والضياع والتشتت والغموض والرؤية الغائمة والإرادة الضعيفة المهتزة فتدمر كیانه، وتجعل منه ریشة في مهب الرياح. ذلك أن غسيل المخ سلاح ذو حدين، يمكن استخدامه في الشر والدمار, وايضا في الخير والعمار.