الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الاجتماع

غطى اللون الأزرق بدفئه الساكن أغلب المعالم المهمة في مختلف دول العالم ؛ تضامناً مع الطفل في قائمة طويلة من الحقوق التي تسعى جهود المنظمة الدولية إلى إرسائها، والتأكد من تمتع أطفال الأرض دون تمييز بها جميعاً، وفي زمن كورونا وحيث صار الاحتفال افتراضياً، كما هو حال الكثير من سُبُل التواصل وممارسة العلاقات بين الأفراد، فقد أضيئت البترا وقلعة عمّان وجرش بلون الطفولة الحالم، وهنا كان لا بدّ من تسليط بعض من زُرقة هذا الضوء على تلك الفئة الصامتة، التي تراقب تغيرات هذا العصر، وتتأثر بها دونما إرادة كاملة أو وعي تام لما سيُخلّفه التسارع التكنولوجي الهائل، وتغيّر أنماط الأدوار والعلاقات عليهم، خاصة وأنّ حجم ما يواجهه البشر اليوم في كلّ الكوكب من مشكلات ربما يفوق ما واجهته البشرية في تاريخها كاملا، فجنون الحرب وويلاتها، ومشكلات اللجوء وما يتخللها من صدام بين الثقافات، ووجود معضلات كالفقر والجوع والمرض، جميعها لا زالت تقف كابوساً شديد البشاعة أمام أحلام المنظمات الإنسانية في إيجاد مجتمع إنساني تسوده قيم التسامح والعدل والمساواة، وصناعة واقع يملؤه السلام، وتغشاه الرحمة والتعاطف، ويعيش فيه الأطفال حول العالم طفولة سويّة، تجعل منهم في المستقبل أفراداً قادرين على جعل العالم مكاناً آمناً، وحاضنة للمواهب وأسباب الإبداع.

وجاءت كورونا؛ وكأنّ المجتمع البشري كانت تنقصه مشكلة وبائية مثل الكوفيد – 19، فغيّرت وجه العالم، وتلاعبت في نمط العلاقات، وخيّمت بظلالها القاتمة على النشاط الاقتصادي، ففرضت أسلوباً من التباعد المكاني والجسدي، وكرّست خلال عام الجائحة للكثير من قرارات الإغلاق، ووقعت المدارس فريسة لشروط مواجهة المرض، ليغيب ملايين الطلبة عن الغرف الصفية، وساحات اللعب، ومختبرات العلوم والحاسوب، وقواعد الانضباط المدرسي، وليغيب مع كلّ ذلك الحافز النفسي، والباعث الفكري على التفاعل، ورفع جودة الأداء الدراسي، وزيادة التحصيل العلمي، وبالرغم من حلول طرق مختلفة للتعلّم عن بُعد بديلاً للتعلّم المباشر في بيئة المدرسة، وبعيداً عن واقع الجدل الذي أثاره ولا زال هذا النهج ضمن صفوف التربويين ؛ حول ما يُرافق هذه العملية من إيجابيات وسلبيات، يبقى الطفل واقفاً خلف الستار، وفي ذهنه الضيّق، ووجدانه الكبير والبريء مئات التساؤلات، والرغبة الطفولية الجامحة تأخذ مخيلته الواسعة نحو تعطشه للجري واللعب والصراخ والضحك، وخيالات الأصدقاء والمعلمين وعبث الطفولة ؛ تداعب ذاكرته لتحثها على الصراخ ألماً وقد تبدد عالمه البسيط، وصار حبيساً للبيت، ورهينة طوعية للشاشات التي استحوذت على ذكائه، والملل يتآكله جزءا بعد الآخر، وفي الأثناء فإنّ أشباح ما يعتري الكبار من مخاوف وقلق، تطارده هو الآخر، فهو يُحسن الإنصات، وهو يرى بعين قلبه والده المُجهد والمضطرب من مستقبل لم يعد يملك مفاتيحه، ويكاد يسمع أنين والدته تحت وطأة أطنان من الأعباء التي لم تعد معها قادرة على اقتسام وقت للعب معه، أو مشاركته حديثاً عابراً عن الأحلام، ومشكلات اليوم.

إنه جيل كورونا الذي ربما ستبقى وصمة الوباء علامة فارقة في سيرته الذاتية، عند الحديث عن المستوى الدراسي أو الكفاءة النفسية، فأغلب الظنّ أنّ حياة هؤلاء الأطفال لن تعود تماماً كما كانت قبل حلول الفيروس القاتل، فظروف العزلة في ظلّ الحجر الصحي ستؤدي إلى تبعات جسيمة مثل التأخر في النموّ المعرفي والعاطفي والاجتماعي، الأمر الذي سيجعل من حجم المشكلة أكثر خطورة على من هم في مرحلة المراهقة، حيث يُمكن أن تزداد فرص إصابتهم ببعض الاضطرابات النفسية، والمشكلة تتخذ بُعداً أكثر تراجيدية لدى الأطفال الأقلّ حظاً، فقد يتأخرون أكثر من أقرانهم دراسياً، وسيتأخرون أكثر بعد انحسار الوباء وهم يعيشون ضمن إمكانيات ضئيلة أو معدومة.

ولا شكّ أن الأطفال في المراحل الدراسية التأسيسية الأولى تضرروا أكثر من غيرهم جراء إغلاق المدارس، فهم لم يُحرموا فرصة التعلّم بشكل طبيعي فحسب، بل إنّ الكثير منهم قد ينسى ما تعلمه قبل الوباء، المشكلة التي كانت تبرز بعد كلّ عطلة صيفية، خاصة فيما يتعلّق بمبحث الرياضيات، ومن خلال الكثير من الدراسات ؛ فإنه يمكن تبيّن حجم الخطر الذي يتربّص بهؤلاء الأطفال في مرحلة المراهقة، حيث يؤثر الوقت الذي يقضيه الطفل في التعلّم واكتساب المهارات في الصغر؛ على مستوى ذكائه في مرحلة البلوغ، ما يعني أنّ الانقطاع عن الدراسة ضمن الظروف الطبيعية، يمكن أن يكون له تبعات على القدرات المعرفية للطلبة، فالعملية الدراسية تصبح أكثر جدوى إذا ما تمت بوجود المعلم والزملاء في غرفة واحدة،، والتفاعل ضمن بيئة المدرسة ومرافقها المختلفة، وممارسة النشاطات اللامنهجية كالموسيقى، أو الرياضة، أو الزيارات الميدانية، والرحلات الترفيهية، جميعها تُضيف الكثير من الخبرات التي تساعد على النضوج، وتشكلّ شخصية الطفل، وصقلها على النحو السويّ، كما أنّ إقامة العلاقات مع الأقران، تصنع كثيراً من مهاراته الاجتماعية، ما يساعده على التحكم في مشاعره، واكتساب القدرة على تسوية الخلافات والإحساس بالقيم الأخلاقية، فالأطفال لا يحتاجون للأقران فقط للتسلية واللعب، بل إنّ حاجتهم الحقيقية تتمثل في اختبار التجارب التفاعلية الأساسية الخاصة بكل واحد منهم، وهو ما يؤدي إلى تطوير علاقات وثيقة في المجتمع خارج أسوار الأسرة، فليس بالأسرة وحدها يُنَشّأ الطفل، فهو بحاجة إلى مجتمع متكامل يساهم في تنشئته وتربيته، وبهذا فإنّ أكثر ما يخشاه التربويون يتمحور حول أن يتراجع مستوى الطلبة دراسياً واجتماعياً خلال عام الجائحة ؛ بنسبة أكثر مما كانت الإجازة المدرسية المعتادة تفعل، خاصة وأنّ نسبة كبيرة من طلبة الأردن يواجهون انقطاع هذا العام الدراسي، في أعقاب عام دراسي تخلله إضراب نقابي في فصله الأول، وإغلاق وقائي في فصله الثاني، ما يُضاعف حجم المخاوف أكثر، ويستدعي الكثير من خطط الإنقاذ والرعاية.

ولا تتوقف المشكلة التي يُعاني منها الأطفال والبالغون في زمن الوباء عند مستويات التحصيل الدراسي، فقد حُرم الكثير من بينهم ممن يواجهون مشكلات أسرية كالتفكك أو العنف أو الفقر، إضافة إلى معاناة بعضهم من مشكلات ذات أسباب نفسية، من فرصة الانتباه إلى هذه المشكلات، والعمل على متابعتها وحلها، وذلك من خلال الدعم النفسي أو الماديّ، الذي يُقدمه المعلمون والأخصائيون الاجتماعيون في المدرسة، وهم عادة أول من يتنبه إلى وجود مثل هذه المشكلات، ما قد يُفضي إلى تدهور في حالة هؤلاء الطلبة، أو تعرضهم لنتائج مأساوية ستؤثر في مجريات مستقبلهم، ولا يمكن الركون إلى ما يُثار حول الدعم النفسي عن بُعد، فهو يحتاج في المقام الأول إلى الخصوصية والفردية في التعامل مع المشكلة، وهو ما لا يُمكن توفيره إلكترونياً، إضافة إلى إمكانية تضاعف حجم المشكلات في بيئة منزلية يغلب عليها صغر المساحة، وانعدام الخصوصية، وتداخل الأعباء التي قد ترتبط بفقدان الأب وظيفته خلال عام الوباء، أو تعرض بعض أفراد الأسرة للإصابة والحاجة إلى العزل المنزلي، وتتابع قرارات الحظر، فجميع هذه الظروف تُعتبر ضاغطة بما يمكن أن ينعكس أثره على الأطفال والمراهقين بالدرجة الأولى، وما يزيد من خطورة الوضع أنّ قلة من الآباء والأمهات يملكون القدرة العلمية والمهارة الإنسانية على التعامل مع مشكلات الأبناء وضغوطاتهم النفسية، والخوف كل الخوف من استمرار هذه الأزمة الصحية لعدة شهور قادمة، والخوف الأكبر يكمن في ما ترتب وسيترتب على هذه الأزمة من تبعات اقتصادية ونفسية واجتماعية تجثم بثقلها الضخم على كاهل الآباء والأمهات، الذين قد تنفد قدرتهم، ويتقلص صبرهم على تقديم الدعم اللازم للأبناء، وإذا ما تمّت مراجعة حملات التوعية الصحية ، ونشرات الوقاية التي تُبث عبر مختلف وسائل الإعلام والاتصال، فإنّ الواضح أنها لم تقدم سوى القليل من الإرشادات حول التعامل مع الضغوط النفسية، والغائب الأبرز هو إرشادات التعامل مع ضغوط الأطفال والبالغين النفسية بشكل خاص، ما يؤكد أنّ احتياجات هؤلاء النفسية أُهملت غالباً خلال عام الكورونا، وسنكون مضطرين للتعامل مع نتاجاتها لأعوام عديدة قادمة .

لا شكّ أن الأطفال في عهد الوباء أصبحوا عُرضة للكثير من المعلومات التي تفوق قدراتهم العقلية، واستعداداتهم النفسية، فهم مضطرون للتعامل مع عدو خفي وغامض يستهدف الجميع، وما يقع على مسامعهم من أحاديث الكبار كفيل بإثارة كم هائل من الخوف والقلق والتضارب بداخلهم، لذا فإنه يجب عدم إغفال هذه الفئة في غمرة ما نواجه نحن الكبار من ضغوط وتغيرات، لا سيّما وأنّ الأردن يشهد زيادة في أعداد الإصابات وأرقام الوفيات، وهنا يجب الحذر من إثارة الهلع في نفوسهم، كما يجب إبعادهم عن مصادر المعلومات التي يمكن أن تنقل أبناءنا من حالة الاضطراب، إلى حالة من الوسواس القهري الذي يستدعي علاجاً نفسياً، وإنّ من أهم الإجراءات التي ينبغي مراعاتها من قبل الوالدين في هذه المرحلة ؛ الحرص على تقدير حالة الأبناء النفسية، واستخراج ما في دهاليز نفوسهم عبر الحديث عن مخاوفهم، وطمأنتهم، ومساعدتهم دراسياً ، وبذل أقصى الجهد في تعويضهم عن فترات العزلة ؛ بابتكار قنوات للتواصل عبر مشاركتهم اللعب، أو متابعة المواد المسلية، وممارسة النشاطات المنزلية، والعمل على توثيق علاقة الأخوة ببعضهم للتعويض عن علاقاتهم الضائعة بسبب إغلاق مجتمع المدرسة، كما يجب التأكيد على اتّباع نظام رياضي وغذائي يرتكز على العناصر التي من شأنها الحفاظ على هدوء الطفل واستقراره نفسياً وبدنياً.

ستُطوى صفحة كورونا كما طُويت صفحات من قصص الأوبئة عبر التاريخ، وستمضي الإنسانية في طريقها نحو المستقبل، وستعود الحياة إلى طبيعتها تدريجياً، وربما تتلاشى سحابة الأزمة الاقتصادية، وربما يُصبح العالم مسكوناً بالسلام، ومتّشحاً بالتسامح والحُبّ والعدل، وربما تُفيق البشرية من جنون الكراهية، والعنصرية، والعنف، والحرب، وربما تتشابك الأكفّ من كل أرجاء الأرض، لتجعلها الكوكب الذي نستحق، ولتجعل من بني آدم الأجدر بعمارتها، وربما... وربما، لكنّ كلّ أبجديات الحُلُم لن تُخطّ إلّأ بأيدي ذلك الجيل الذي وُلِد في عصر التكنولوجيا، ونشأ ونما في زمن كورونا، وإنّ تلك الأنامل الصغيرة ستكون سواعد بناء المستقبل، وإنّ كلّ تلك العقول الصغيرة، ستغدو صانعة للقرارات التي سترسم شكل القادم، وإنّ ما نقدمه لهم اليوم من رعاية وتعليم وعناية بصحتهم النفسية، وما نقدمه من متطلبات حاجاتهم النمائية والوجدانية، سيعني ما سيكونون عليه في المستقبل، وإنّ الفجوة التي ستخلّفها قرارات مواجهة الوباء ؛ ينبغي العمل على سدّها منذ الآن، وذلك عبر إعداد الدراسات الدقيقة التي تقيّم حجم الضرر المترتب على مستوى التحصيل الدراسي والنفسي للطلبة، ومن ثمّ إعداد خطة طارئة باعتبارها أولوية العام الدراسي الذي سيعقُب الجائحة، لتعويض الطلبة ما فاتهم، ورأب تصدعات نفوسهم، ومراعاة أبعاد هذه الفجوة لأعوام دراسية قادمة، لتدارك الخلل تدريجياً، وحتى تحتفل البشرية بيوم الطفل في العام القادم خارج الحيّز الافتراضي، وتصبح حقوق الطفل واقعاً خارج حيّز الأحلام والأمنيات، وحتى تزدان بقاع الأرض باللون الأزرق ؛ وهي تنتصر على أسباب الفقر والقهر والمرض والجوع، يبقى مواجهة الواقع، والاعتراف بحقيقة ما نواجه من مشكلات، والسعي الصادق في حلّها ؛ أفضل ما نقدمه للطفل في يومه العالمي.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com