يؤسس الاتصال الذي جرى بين جلالة الملك والرئيس الأميركي جو بايدن لإعادة بناء فهم سياسي مشترك يأخذ في اعتباره المفاعيل التي خلفتها مقاربات الرئيس دونالد ترمب في المنطقة، وما خلقته من إشكاليات كبرى.

وعلى ما يؤسسه الاتصال، ويقاربه تجاه العلاقات الأردنية الأميركية، والفهم المشترك لمصالح البلدين وقضايا المنطقة، فهو بذاته، أي الاتصال، يحمل رسائل وإشارات مهمة، بوصفه أول اتصال بين بايدن وزعيم عربي.

هذه الإشارات، والمعاني الكامنة فيها، تعيد التأكيد مجدداً على الدور المحوري للأردن، بقيادة الملك، في التعامل مع قضايا المنطقة كلها، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.

من هنا، يتوقع أن يعيد الرئيس الأميركي الديمقراطي جو بايدن الاعتبار لمبدأ حل الدولتين الذي يفترض أن ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ثابت أردني تمسك به الملك بقوة وشدد عليه في كل مناسبة.

هذا التمسك، والتماسك الملكي بقي صامداً صلباً في ظروف كانت فيها إدارة ترمب تعيد صياغة مشهد القضية الفلسطينية بصورة انقلابية، وبما يتصادم، كلياً، مع حقوق الفلسطينيين والتوجهات الدولية وقرارات الشرعية الأممية.

ولا يزال الجميع يذكر لاءات الملك الثلاثة، والضغوطات الشديدة والعديدة التي كانت تمارس على الأردن للقبول بما سمي «صفقة القرن» التي بقي الأردن وحيداً، إلى جانب السلطة الفلسطينية، يرفضها ويكشف تداعياتها الخطيرة، ويحذر من تبعاتها.

صحيح أن عمّان لم تؤسس علاقاتها مع واشنطن على البعد الشخصي فقط، بل بنت علاقة مؤسسية مع مختلف مراكز القرار الأميركي، وتحديداً مع الكونجرس، وأبقت على صلات وثيقة مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وهو ما مكّن الأردن من أن يكون قريباً من الإدارات الأميركية كلها، بمستويات مختلفة، لكن إدارة ترمب كانت أصعبها على الإطلاق، أردنياً وإقليمياً وعالمياً، وضع فيها الجميع، طيلة سنوات حكمه، على الحافة.

وكانت سياسات ترمب ستزداد صعوبة ووطأة لو أنه تمكن من كسب الانتخابات وبقي في البيت الأبيض، غير أن اتجاهات التصويت عند الأميركيين أنهت تلك الفترة الصعبة، وصعّدت قيادة ديمقراطية للحكم.

تلك القيادة، على مستوى الرئيس ونائبته، وبما يحمله الديمقراطيون من رؤى تتمايز، ولو نسبياً، عن الجمهوريين تجاه قضايا المنطقة، خصوصاً القضية الفلسطينية، ستمكن للأردن، مرة أخرى، وبما يتمتع به الملك من رؤية وموثوقية لدى الديمقراطيين، من أن يساعد في إعادة ترسيم المقاربات الأميركية حيال مجمل قضايا المنطقة.

مرة أخرى، إن دلالات الاتصال بين الملك وبايدن، وأن يكون الأول بين زعيم عربي وبايدن، لا تفهم في الفقه السياسي كرسالة عادية، فهي محملة بالإشارات والرمزيات فائقة الوضوح.

وهي رسالة، تريد الرئاسة الأميركية من ورائها أن تقول أنها تثق بفهم الملك ورؤيته لقضايا المنطقة، وأنها تحتاج لحكمة جلالته التي يعرفها بايدن جيداً، كما حزبه، وهم يعيدون تموضعهم ويعيدون ترميم سياساتهم التي شهدت في سنواتها الأربع الأخيرة إشكاليات لا حصر لها.