سيبدأ فصل جديد في السياسة الأميركية على الصعيديْن الداخلي والخارجي بعد حدث تاريخي لامتحان الديمقراطية المتجذرة في البُنيان السياسي استناداً للدستور والأعراف الممارسة عبر ما يزيد عن قرنيْن من الزمن مع استعصاء شديد في عدم الاعتراف بالهزيمة ونقل السلطة السياسية للرئيس الفائز جو بايدن، وهذا يعكس حالة التعجرف السياسي والنزق الشخصي وعشق السلطة من شخص يائس لا يؤمن بالديمقراطية، ويمكن أنه تأثّر بالعديد من الزعماء السلطويين وأباطرة السلطة في العالم، وهذا الذي يجري يؤثر على سمعة الديمقراطية في بلدٍ يدّعي أنه حاميها ويلحق الأذى بأسلوب الحياة الديمقراطية مستقبلاً.

إن ما جرى ويجري هو حدث تاريخي، إذ لأول مرة يصوّت ما يزيد عن 67% من الذين يحق لهم الانتخاب، إذ حصد الرئيس الفائز 80 مليون صوت والخاسر 74 مليوناً بفارق 6 ملايين صوت، ورغم كل المحاولات القانونية للطعن وإعادة فرز الأصوات، إلا أن المؤسسة العميقة ودرجة المؤسسية ستنتصر في النهاية، وما يصدر عن الجمهوريين ما هو إلا محاولات لتعقيد المشهد والتمسك بحبال الهواء، والخوف من ممارسات خارجة عن المعقول وتصرفات رعناء خلال فترة البطة العرجاء لحين التنصيب يوم 20/ 1/ 2021، وبكل الأحوال، فالعالم يتنفس الصعداء لذهاب هذا الديكتاتور الذي غيّر سياسة العالم وأعطى ما لا يمكن لدولة إسرائيل.

والسؤال المهم هو: هل ستعود الولايات المتحدة لقيادة العالم الحر بأشكال موضوعية ومنطقية وعادلة، وبالثقة والأخلاق والتعاون لخدمة البشرية؟ وفض النزاعات على أسس العدل والقانون الدولي؟

على الصعيد الداخلي، سيسعى جوزيف بايدن إلى معالجة الانقسام المجتمعي، ورأب الصدع والشرخ الذي طال المجتمع والبُنى المكوّنة له، وحالة التعصب والعنصرية ضد السود والملوّنين وغيرهم من المهاجرين، ناهيك عن العلاقة الحزبية المتصدّعة التي لا بد من معالجتها على التعاون والوحدة لكل المكونات الاجتماعية، وإعادة وحدة البلاد، يضاف إلى ذلك عمليات التشغيل وتخفيف حدّة البطالة وتحسين المستوى المعيشي برفع الحد الأدنى للأجور، ودفع عجلة الاقتصاد نحو النمو المتسارع.

وعلى الصعيد الخارجي، فإن المسألة الأولى بالنسبة لنا هي القضية المركزية الأولى القضية الفلسطينية التي يؤمن بايدن بضرورة حل الدولتين، ووقف الاستيطان، والوصول إلى حل عادل ينصف الشعب الفلسطيني الذي تجّرع كأس المرّ من عدوه، آخذين بالاعتبار أن الإدارة الأميركية الديمقراطية تؤمن إيماناً عميقاً بأمن واستقرار وبقاء إسرائيل وتفوُّقها النوعي، وهذا ثابت من ثوابت السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، وستسعى الإدارة الجديدة لإعادة التوازن في العلاقات الدولية ورأب الصدع مع الاتحاد الأوروبي وإعادة ترميمها من الخراب الذي حلَّ بها من سياسات العنيد السابق ترمب، ناهيك عن التحسن الذي سوف يطرأ على العلاقات الصينية- الأميركية القائمة على المصالح وبالذات التجارية، إذ ستشهد العلاقات الدولية نمطاً جديداً يختلف اختلافاً عن السابق.

أما فيما يتعلق بإيران، فسوف يتم إعادة الاتفاق النووي السابق لعهده بعد إجراء بعض التحسينات عليه بما يتماشى مع مصالح ودول المنطقة، وجملة معترضة هنا إن ما فعلته الإدارة السابقة هو الإمعان بالعقوبات على إيران ومحاولة تركيعها خدمةً للمصالح والمطالب الإسرائيلية، حتى إنهم أقنعوا البعض أن العدو في المنطقة إيران وليست إسرائيل. وربما يتصرف ترمب بفعل غير لائق وأرعن قبل رحيله.

وعوداً على بدء، يُظهر الرئيس ترمب انعداماً للمسؤولية القانونية والدستورية والأعراف السياسية المتبّعة في الولايات المتحدة، لا اعتراف بالهزيمة، ورفض قبول نتائج الانتخابات، إذ خسر ما يقارب 33 دعوى قضائية في المحاكم الفيدرالية في الولايات المتحدة المختلفة، وما زال مصرّاً على موقفه بأن الانتخابات سُرقت منه وشابها تزوير دون وجود إثبات قانوني لذلك، والمعروف أن النظام يقوم على مبدأ تداوُل السلطة وانتقالها بصورة سلمية، وسيبقى في موقفه ذلك إلى أن يعلن المجمع الانتخابي مصادقته على النتائج بفوز بايدن يوم 14 الشهر القادم وحصوله على 306 من 538 صوتا.

إن ما يجري مخالف للأعراف السياسية المتّبعة، وكل المحاولات لن تجدي لإقناعه بأن بايدن حصل على 80 مليون صوت، وهي أول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، ولكن هذا الديكتاتور الصغير لن يصمد أمام الدستور وحماته إذا أمعن في الغيّ والتعجرف.

وباعتقادنا أنه شخص يرفض الديمقراطية ونتائجها، وهذه أول تجربة تحدث في التاريخ السياسي الأميركي، وما يقوم به هو وصمة عار ستبقى إلى الأبد في إرثه السياسي.

almashqabeh-amin@hotmail.com