أبواب - زياد عساف

«الطخ لأبو موزة !»،عبارة أصبحت بحكم المثل الشعبي المتداول والمألوف بين الناس،و هناك أكثر من قصة تروى حول الواقعة المتعلقة بهذه المقولة ومكان حدوثها بعد أن بات يرددها الناس في أكثر من بلد عربي، حيث يشير أحد المراجع إلى أن الحكاية وقعت منذ

عقود طويلة ومرتبطة بمصارع حلبي يُدعى (أبو موزة) كان قد تفوق في إحدى المباريات على نظيره الأجنبي،و احتفالاً بهذا الفوز أطلق أهالي حلب العيارات النارية بكميات كثيرة ابتهاجاً بهذا النصر،و كان عند السؤال عن الشخص المحتفى به؟ يأتِ الرد :(الطخ لأبو موزة). من هنا أصبح اسم (أبو موزة) مرتبطاً بالتعبير عن الكثرة أو المبالغة تجاه أي موقف أو حدث ما وفي كل مناحي الحياة عموماً، وهذا ما ينطبق بكل تأكيد على الألحان والأعمال التي تتغنى ب (الطخ) والسلاح ولا نبالغ إذ قلنا أن عددها قد وصل لأبو موزة أيضاً !.

ظاهرة..

حظيت ظاهرة حيازة الأسلحة باهتمام العديد من الكتَّاب والباحثين وكثيراً ما تم تسليط الضوء على الأبعاد النفسية والاجتماعية التي أدت لانتشار هذه الظاهرة في كل البلاد العربية العربية،ولعل أخطر ما نجم عنها إطلاق الرصاص في المناسبات باعتباره عُرفاً اجتماعياً متبعاً في الأعراس أو الفوز في الإنتخابات،أو احتفاءً بمن اجتازوا امتحانات الثانوية العامة أو ابتهاجاً بمن عاد بعد غياب حاصلاً على مؤهل تعليمي عال أو حتى في مناسبات الوفاة. باختصار اعتدنا على تكرار هذا السلوك في الأفراح والأحزان،و للأسف كثيراً ما تحولت الأفراح إلى أحزان بسبب هذه الظاهرة وما خلفته من إزهاق لأرواح بريئة.

ولأن الأغاني هي صدى ومرآة لواقع الحياة الاجتماعية والسياسية،كان السلاح بشكل عام حاضراً في مضمون ومحتوى أغانينا العربية،ولن نذهب بعيداً فلقد برزت مؤخراً أغنية(الهدف مرصود والرشاش جاهز) وتناولها كل مهتم أو باحث حسب وجهة نظره،أما المعنيون والباحثون في مجال الموسيقى يبقى (الهدف المرصود) بالنسبة لهم استعادة الأعمال الغنائية التي تناولت السلاح بدلالات ورؤى عديدة،وكيف جاءت هذه الرؤى المغناة كمراّة وصدى للواقع المُعاش بكل تناقضاته ما يتيح رصد الحالة الاجتماعية والسياسية ونمط التفكير لدى الشعوب وعلى فترات زمنية مختلفة.

مقارنة..

الاستماع لمعظم الأغاني الحالية وكيفية توظيفها للسلاح وما يعنيه من دلالات يولد شعوراً بالخيبة سواء في الأعمال الوطنية منها أو العاطفية والاجتماعية لافتقاد معظمها للقيم الوطنية أو الفكرية الحقيقية، وفي الوقت نفسه غير واضحة المعالم والهدف،وعلى سبيل المثال يلمس المستمع عجز هذه الأغاني عن تحديد العدو المقصود بتوجيه السلاح نحوه في بعض من الأعمال المدرجة ضمن الأغاني الحماسية من وجهة نظر صانعيها بعكس أغاني مرحلة منتصف القرن الماضي وحتى بداية السبعينيات والتي واكبت معظمها لأحداث مهمة ومفصلية عاشتها المنطقة العربيةاّنذاك.

والله زمان يا سلاحي..

أبان حرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 توجهت أم كلثوم لمبنى الإذاعة في شارع الشريفيين في القاهرة لغناء لحن كمال الطويل (والله زمان يا سلاحي) وكلمات صلاح جاهين، ورغم محاولة ثني أم كلثوم من دخول المبنى حرصاً على حياتها بعد ورود تهديد بقصف الإذاعة من القوات المعادية إلا أن كوكب الشرق أصرت على تسجيل اللحن لدعم الجيش والشعب في هذه المعركة بهذا اللحن الحماسي الذي يمجد السلاح كدلالة للصمود والمقاومة،وكانت النتيجة أن تم اعتماد هذاالعمل فيما بعد ليصبح النشيد الوطني لمصر بالفترة (1961-1971)،و اختارته العراق أيضاً ليكون النشيد الوطني بالفترة (1963–1981).

نهوض..

وقبل هزيمة 1967بأيام قليلة غنت كوكب الشرق (راجعين بقوة السلاح) من ألحان رياض السنباطي وكلمات جاهين أيضاً،ومع وقوع الهزيمة كان لابد من النهوض حسب الرؤيا السياسية المصرية اّنذاك وغنى موسيقار الأجيال من لبنان حيث كان يقيم وقتها (طول ما أملي معايا وفي إيديا سلاح) من أشعار الأخوين رحباني،وفي عام 1969 عادت سيدة الغناء العربي لإحياء روح الأمل في النصر من خلال رمزية البندقية (أصبح عندي الاّن بندقية إلى فلسطين خدوني معكم)،شعر نزار قباني ولحن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.

سكت الكلام..

لم تخل أغاني عبد الحليم من التركيز على السلاح كحافز لبث الحماس بفترة الهزيمة، وهذا ما تشير إليه بعض العبارات في أغانيه وقتها مثل: (وسط القنابل أنسف أقاتل) و(سكت الكلام والبندقية تكلمت)،إلا أنه وبرؤية مختلفة غنى بالفترة ذاتها (احلف بسماها) والجديد والجميل في مضمون هذه الأغنية الدعوة للنهوض على الجانب الإقتصادي والديني أيضاً ولا يقتصر الأمر على السلاح وحده: (أحلف بالقمح بالمصنع، واحلف بالمدنة وبالمدفع، باولادي بأيامي الجاية ما تغيب الشمس العربية..طول ما انا عايش فوق الدنيا)،و أثناء حرب أكتوبر ذهب عبد الحليم ليغني للجنود على الجبهة لرفع الروح المعنوية وغنى لهم مطالباً بعدم التخلي عن السلاح في كل الأوقات لأن العدو غدار: (خلي السلاح صاحي.. عدونا غدار)، علي اسماعيل قدم نموذجاً للفنان ذي الرؤية الثاقبة وتنبأ بالنصر قبل حدوثه عندما غنت المجموعة من ألحانه مستبشرين بالنصر عام 1972 وقبل انتصار العبور بعام (رايحين شايلين في إيدنا سلاح.. راجعين رافعين رايات النصر).

ناقش إسمك..

«يا عربي يا ابن المقرودة.. بيع إمك واشتري بارودة»، هكذا كان يتغنى أهل فلسطين ب (البارودة) كرمز للمقاومة بفترة الأربعينيات، وفيما بعد استمع الناس لأول مرة لأناشيد العاصفة الفلسطينية وتحديداً في منتصف الستينيات،و كانت حالة ذات خصوصية وغير مقلدة للأغاني الوطنية المصرية وقتها كما درجت العادة في الأقطار العربية، وبطبيعة الحال كان السلاح حاضراً في مضمون هذه الأعمال للحث على الصمود والمقاومة،وقام بتلحين أغلبها الموسيقار مهدي سردانة بالإضافة لأغنيات أخرى من تلحين عبد العظيم محمد وصبري محمود ووجيه بدرخان،وتم تسجيل الأغاني في ستوديوهات الإذاعة المصرية.

الملفت بأناشيد العاصفة ورود كل أنواع الأسلحة المستخدمة ضمن سياق النصوص المغناة ومنها: ناقش اسمك يا يمه على كعب البارودة، لوحنا ع القواعد لوحنا.. بالديكتريوف والاّربي جيه لوحنا،وحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل.

يابا الخير..

بفترة الستينيات سارت الأغنية الأردنية في ركب ثقافة المقاومة،و عبر رمزية السلاح أيضاً وهذا ما أكَّده شيخ المطربين الأردنيين توفيق النمري في أعمال غنائية مثل: (يابا الخير شد المهرة العافيِّة.. مثل الطير ناولني البندقية) و(مرحى لمدرعاتنا رمز القوة لبلادنا).

ومن الأردن أيضاً غنى محمد وهيب شفاه الله :(يا جندي المدفعية.. إرم بسم الله الرمية)، ومن نشيد(بسم الحرية) الشهير غنى وهيب من كلماته وألحانه: (بارود ومدافع..عن أرضي بدافع) وردد طلبة المدارس والناس هذا النشيد لفترة طويلة من الوقت وفي ميادين ومناسبات مختلفة.

سكَّروا الشوارع..

لم تخل الأغنية اللبنانية بفترة السبعينييات من رائحة البارود ودوي القنابل وأزيز الرصاص كرد فعل طبيعي للأحداث الطائفية تلك الفترة وما خلفته من دمار وضحايا،وواحد من هذه الأسباب حيازة السلاح بشكل غير منظم وفوضوي ما أوصل بلد الأرز لهذه النتيجة، وبعيداً عن نشرات الأخبار والصحف لتأكيد ذلك،جاءت الأغاني خير معبر عن دور السلاح في إحداث هذه التحولات المأساوية.

جارة القمر فيروز والتي طالما تغنت مرارا بالحب والورود وأحلام الأطفال في ليالي العيد كان هذا الحنين الملفت في هذه الأغنية لهوا بيروت وصوتها الذي غاب مع صوت المدافع:

«سكروا الشوارع عتَّموا الشارات

زرعوا المدافع وهجروا الساحات

وينك يا حبيبي بعدك يا حبيبي

صرنا الحب الصارخ صرنا المسافات ! ».

وفي السياق ذاته غنت شقيقتها هدى حداد:

«لينا ويا لينا ما في حدا يحمينا

ليلية عنا قواص عنا حواجز ورصاص

عم نغفى من عشية شمتوا كلن فينا».

سيمنوف وستن برن..

المطربة صباح كثيراً ما اتحفت مستمعيها بالصور الغنائية الجميلة وهي تتغنى بالضيعة اللبنانية وأماني الفتاة البسيطة التي تنتظر حبيب الأحلام لتعيش معه على (الجبنة والزيتونة)، عاشت هي أيضاً هذا التحول الحاصل بموطنها لدرجة أنها لم تتمكن من تسجيل مسرحية (حلوة كتير) في استوديوهات لبنان بسبب الحرب، وحضرت لتسجيلها في استوديوهات التلفزيون الأردني عام 1976، وتضمن هذا العمل أغنية لصباح تعكس حالة الاستهتار في استخدام الأسلحة ومن كلماتها :

«رزق الله السامع بحن

ع صوت رصاصة بترِنْ

شي مشط اربع تعش

سيمنيوف وستن برن».

الفنان الجميل فيلمون وهبي لم تتعد علاقته بالأسلحة سوى استخدامه لبندقية الصيد نظراً لعشقه لهذه الهواية، ولم يكن يملك سوى سلاح السخرية ليعبر عن مافعله السلاح الحقيقي في لبنان من دمار فأطل على الناس من خلال مسرح معرض دمشق الدولي في صيف 1976 وأدى وقتها أغنيته (الكلاشينكوف) وتضمنتها هذه الصورة الغنائية الساخرة :

«صار قواص وضرب رصاص

قمنا تخبينا بالباص

لوما تسطَّحنا ع الأرض

كان تصيَّدنا القناص

وانقطعنا من الخوف ويا لطَّاف لطوف

وعيني يا موليا ويابو الزلف ».

عيونِكْ خرطوش ببوزين..

و أشبه باستراحة المحارب نُعَرِّج على بعض ما استلهمه شعراء الأغاني العاطفية مثل فكرة سلاح العيون في أغان مثل: عيونك خرطوش ببوزين، وعيونك جوز فرود، وعلى نفس المنوال طالعنا حمو بيكيا مؤخراً بهذه الأغنية مع فارق في التحول التكتيكي الغنائي خاصة أن العيون هذه المرة صواريخ عابرة للقارات :

«اعمل بوم للكينج طاطا

عيون الناس صواريخ مشتعلة

تعيش ضعيف أصواتهم تعلى

خدوا الشيطان المثل الأعلى

غدر وكدب وماشية عباطة !».

عيون ابو فارس

هذا النوع من الأسلحة المحببة أعادني لمسرحية (ضيعة تشرين) وتحديداً في مشهد وقوف المختار حسني البورظان على منطقة مرتفعة أثناء احتدام المعركة بين شباب الضيعة والحرامي الذي احتل الكرم، وراح المختار يستنهض ابن الضيعة أبوفارس مخاطباً إياه (يا بوفارس.. بعيونك قوِّص !) معتمداً بذلك على معلومة من أم فارس تشير بأن أبي فارس عيونه بتسطح !،ومن هنا أراد مختار الضيعة أن يوظف هذه القدرات بإحداث حالة من التوازن الإستراتيجي للقضاء على الحرامي ما دفع صباح الجزائري للاقتراح على المختار أن تنزل ساحة المعركة وتشارك هي الأخرى ب (غمزتين) من سلاح عينيها عسى أن تكون نهاية الحرامي المُحْتَلْ على يديها !.