لا يستطيع محافظ البنك المركزي إلا أن يكون متفائلاً، فهو ينظر إلى النصف الممتلئ من الكأس. البنك المركزي والجهاز المصرفي مطالبان دائماً بعرض رأي علمي ومهني للوضع الاقتصادي وللتحديات والمخاوف المدعمة بمؤشرات واقعية لا تلتفت إلى الانطباعات ولا للرغبات.

هناك من يعتقد أن «المركزي» يجدف عكس التيار عندما يخالف الرأي العام بفرض قراراته على البنوك وهي مسؤولية أدبية لكنه أيضاً محطة إنذار مبكر للبنوك وللحكومة ونقطة ارتكاز لمعادلة التوازن، ومن الطبيعي أن لا ترضي توجهاته رغبة أصوات كثيرة بما فيها الحكومة، «المركزي» مستمر بسياساته فمدد العمل بالطلب إلى البنوك تأجيل أقساط الأفراد والمؤسسات الأكثر تضرراً دون فرض، وللبنوك تقدير المخاطر بمسؤولية وليس الاستجابة لرغبات شعبية غير محسوبة.

يقول د. فريز، بان الجهاز المصرفي «سليم ومتين» وقادر على تحمل الصدمات والمخاطر، لكن ما لم يقله هو تأثير جائحة كورونا على أداء البنوك مثل كل القطاعات، وما لم يقله أيضاً ان الجهاز المصرفي هو الحصن الذي يجب أن يكون منيعاً لحاجة الدولة ومؤسساتها وشركاتها وأفرادها له لدعم الخروج من الانكماش وقد أخذت البنوك بتعليمات «المركزي» وأخذت المخصصات لقروض متعثرة وأخرى ستتعثر وإلا وهو تصرف حصيف رغم أنه جاء على حساب إيراداتها وأثر سلباً على الربحية.

ما سبق لا يعني أن على البنوك أن تتجاوز المخاطر وأن تستفيض في القرارات التي ترضي الجمهور فهي لا تعمل على طريقة «الجمهور عاوز كده» دون توازن وتحوط.

استجابة البنوك مع توجهات البنك المركزي بتأجيل وجدولة الأقساط استفاد منه أكثر من ٤٠٠ ألف عميل بين شركات وتجار وأفراد ودون عمولات وفوائد تأخير بقيمة 1.2 مليار دينار واستفادت منها الأسواق ولا تزال.

هناك اعتقاد خاطئ بأن الأموال (الفائضة) لدى البنوك والمودعة لدى البنك المركزي التي تزيد أو تنقص عن ثلاثة مليارات من الدنانير يمثل رأسمالاً معطلاً، فلا بأس إن ضختها في الأسواق أو وزعتها على الناس وهي لن تتضرر إن قررت تأجيل الأقساط لسنة وأكثر بدلاً من وضعها في خزنة البنك المركزي بينما هي سيولة جاهزة لمواجهة سحب ودائع أو منح تسهيلات جديدة وضرورية في مثل هذه الظروف وهي محددة بنسبة لا يجوز أن تهبط دونها وهي 10% من إجمالي الودائع فكيف تكون فائضة؟.

هناك من يضع البنك المركزي والجهاز المصرفي في منتصف دائرة الأزمة بادعاء المسؤولية الأخلاقية ومعهم حق في ذلك، لكن أين مسؤولية الأطراف الاخرى بمن فيهم الحكومة؟!.

الدور المطلوب من الحكومة هو الاستعداد لمرحلة ما بعد الجائحة وتحدياتها وستحتاج إلى جهاز مصرفي متين متحرر من الضغوط.

qadmaniisam@yahoo.com