حاجتان أساسيتان لا غنى للإنسان عنهما في الشدائد والأزمات المستمرة، أكانت حروباً أو أوبئة أو كوارث طبيعية، وهما الغذاء والدواء، وما دونهما يمكن للإنسان أن يستغني عنه إلى حين.

وليس من شدة أو أزمة تواجهها البشرية الآن توازي جائحة كورونا، وما خلفته من آثار وتداعيات في كل نواحي الحياة؛ استهلكت القدرات الصحية، وهشمت الاقتصاد، وضربت البعد الاجتماعي في العمق.

وشدة أزمة كورونا قائمة ومستمرة، وحتى مع بروز فرص قوية للقاح أو لقاحات قد تسهم في الحد من التدهور العالمي، إلا أن مسألة انتهاء الجائحة لن تكون متاحة في يوم وليلة.

والأهم، حتى لو تخلصنا من كورونا وآثارها في أجل قريب، وعاد العالم إلى حياته الطبيعية، فإن هذه الأزمة لا بد وأن تشكّل درساً عالمياً مهماً للمراجعة وتقييم كل تفصيل وحيثية مرت في سياق الأزمة، لأن فرصة بروز شدة أو أزمة عالمية أخرى مماثلة في شدتها، في أي وقت، ممكنة، إن على شكل أزمة صحية أو اقتصادية أو حرب.

لقد أدرك جلالة الملك، بوعي عميق وفهم دقيق، أن مكافحة جائحة كورونا وتداعياتها، لا تقل أهمية عن النظر إلى المستقبل، قريبه وبعيده، بحيث تعيد المنظومة العالمية مراجعة واقعها وتنظر في أدواتها وتعيد صياغة نفسها من جديد مستفيدة من دروس الأزمة الراهنة.

الملك، ومنذ بدأت الجائحة، لم يترك فرصة ومناسبة، إقليمية وعالمية، إلا ونبه وحذر من الواقع القائم الذي لم يعد يتلاءم مع الأزمات العالمية، وفي هذه المناسبات كلها قدم أفكاراً أممية، ورؤية عالمية، من شأن الأخذ بها أن يمكّن العالم والبشرية من التعامل مع أزماته والمشاكل الكبرى التي يواجهها.

أسّس الملك لأفكاره ورؤيته على قضايا جوهرية، آثارها وانعكاساتها، لا تقف عند حدود جغرافية، أو تميز بين البشر، أو تفرق بين دولة غنية وأخرى فقيرة، بل هي رؤية ملكية أممية شاملة، تقوم على قيم إنسانية وأخلاقية، وبلا أدنى شك أن البشرية كلها أحوج ما تكون إليها الآن.

وأهم تلك الأفكار الملكية: أمن غذائي وصحي، وإعادة ضبط العولمة ومراجعة قيمها وأخلاقياتها. فالملك لاحظ أن جائحة كورونا التي أغلقت العالم كله، وجعلت دوله جزراً معزولة عن بعضها، بات الجميع يواجهون فيها تحدي الغذاء والصحة بوصفهما آساس الحياة وديمومتها.

من هنا جاء التشديد الملكي، المحمول على معانٍ إنسانية، بضرورة أن تتعاون دول العالم كلها، قويها وضعيفها، غنيها وفقيرها، في تأمين تكنولوجيا الزراعة لكل الدول وأن تتقاسم هذه الدول الخبرات وتتبادلها، وأن تدعم المنظمات المعنية والدول الغنية الدول الفقيرة التي لديها إمكانيات زراعية لتوفير ما يسهم في سد حاجة العالم من الغذاء.

وعلى ذات المعاني الإنسانية، يريد الملك أن يتوافر اللقاح لجميع البشر، وأن يوزَّع بعدالة، فليس من قيمة أخلاقية وإنسانية أن يستأثر الغني بالعلاج دون الفقير، أكان هذا الفقير دولة أو إنساناً.

في المحصلة، يصل الملك إلى جوهر أزمة العالم المتمثلة بالعولمة وافرازاتها وتأثيراتها، بعدما ثبتت قسوتها وتمييزها بين البشر، وقيامها على المادي لا الإنساني، لذا يطلب جلالته، ويشدد، على ضرورة إعادة ضبطها على أساس إنساني، ومنظومة قيمية أخلاقية عالمية جديدة تعلي من قيمة الإنسان.