صار من طقوسي اليومية، أن أبدأ نهاري بقراءة فيض من الرسائل الواردة إلي عبر «الواتساب» أو نظام sms أو الإيميل، يلي ذلك عدد من الاتصالات الهاتفية، تعليقاً على مقالاتي، جزء من ذلك كله يكون من قامات وطنية هي محل احترام الأردنيين في الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية والقانونية والثقافية والفنية، أما الجزء الآخر فمن مواطنين قراء ينتشرون من العقبة إلى الهضبة ومن النهر إلى عمق الصحراء، لم يسبق لي شرف معرفتهم أو اللقاء بهم لقاء مباشراً، ومع ذلك فإن اتصالاتهم تشعرني بالحميمية، وتدخل السرور إلى القلب، وتشحن النفس بالعزيمة والإصرار على مواصلة المشوار، لأن هذه الاتصالات تقول إنك سائر على الطريق الصحيح، وهي في الوقت نفسه شهادات تعلق على الصدر، وتشكل منارات على الطريق، تمنحك تقديراً فورياً نقياً خالصاً من الرياء أو المحسوبية، فعندما تصف شخصية أكاديمية سياسية أردنية ذات حضور عالمي أحد مقالاتك بأنه أحسن مقال قرأته تلك الشخصية على مدار عام، رغم نهم هذه الشخصية بالقراءة وبأكثر من لغة، وتكتب لك شخصية أخرى لا تقل وزناً وحضوراً عن الأولى أنها تحرص على قراءة مقالات ثلاثة كتاب أنت واحد منهم، فإن ذلك يعني أنك نلت وسام تقدير رفيع المستوى، وعندما تكتب لك قامة فنية ذات حضور طاغ أنك تعبر عن ضمير شعبك، وعندما تكتب لك قامة قانونية مرموقة ومحترمة أنك تكتب بضمير حي وأنك تعبر عن ضمير غالبية الأردنيين، وعندما تتمنى شخصيات ذات رؤية استراتيجية تجمع بين العمق الأمني والعمق السياسي أن يتم الأخذ بمضامين الكثير من مقالتك لأنها تشكل خارطة طريق، فذلك كله يعني أن شعبنا يقرأ ويتابع على خلاف ما يروج البعض، وأنه مازال يؤمن بالكلمة وأثرها وبالصحافة ودورها، ويعني أيضاً أنك لا تؤذن في مالطا، وأنك لا تحرث أرضاً بوراً، فهناك من يسمعك ويقرؤك ويشعر أنك تعبر عنه وترفع صوته.

وكل ذلك يزيد من ثقل أمانة الكلمة عند صاحبها، يزيد من ثقل هذه الأمانة عندما يؤكد لك القراء المحترمون أنه صار من طقوسهم أن يبدأ يومهم بفنجان القهوة وقراءة مقالك، ويضاعف من هذا الثقل أن يكون المتحدث معك أستاذك ومعلمك بمرحلة من مراحل عمرك، أو قيمة وطنية سامقة لاتجد غضاضة بإبلاغك أنك تعبر عنها وعن ما يدور في خاطرها من رؤى وأفكار، وتنقل ما تشعر به من آلام وأوجاع، وتلك هي مهمة الصحافة الأساسية، وهذا هو دور الكلمة في حياة الناس، وظل على المسؤول أن يستوعب ذلك قبل فوات الأوان، لكن المشكلة أن جل المسؤولين لا يقرأون..