تعاني المالية العامة في الأردن اختلالات جوهرية منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن، انعكاساً لتعاون بدأ في بداية القرن الماضي وما زال مستمراً حتى تاريخه مع صندوق النقد الدولي وتوأمية البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية اللاتي آتت على هذه المالية من حيث تعظيم النفقات الجارية التي تحتل الرواتب ومشتقاتها الحصة الاكبر وبمعدل يزيد عن (70%) من بند النفقات، وبعلاقة عكسية مع النفقات الرأسمالية التي كانت في تراجع مستمر وفي حالات كثيرة لجأت الحكومات المتعاقبة الى تجميد بنودها لمواجهة ارتفاع معدلات النفقات الجارية والتي تعتبر مع الرأسمالية اداة المالية العامة الاولى ومما زاد من الطين بلة استجابة الحكومات الى توصيات و او تنفيذ ما ورد في البرنامج الثاني الموقع مع صندوق النقد للفترة (92 – 94) حول احلال ضريبة المبيعات على المستوردات والسلع والخدمات المباعة على حدٍ سواء بدلاً من الضريبة على الدخل، بحيث اصبحت تحصيلات الخزينة من الضرائب غير المباشرة (مبيعات + جمارك) تزيد عن (70%) من الايرادات الضريبية مما شكل عبأ على القوة الشرائية للمواطنين والمنشآت التي انعسكت مباشرة على قانون العرض والطلب وأدت إلى انخفاض الإنتاج بالمحصلة النهائية حيث كانت تجليات ذلك في ضرائب مبيعات على مدخلات الانتاج الصناعي والزراعي على وجه الخصوص وعلى الطاقة والاتصالات عموماً، ولم تفلت منها الخدمات المهنية التي تتراوح حصتها من الناتج المحلي الاجمالي ما يزيد عن (10%) كل ذلك ساهم في ارتفاع كلف المنتج سواء كان سلعياً او خدمياً وهذا يعني ان العبث بالاداة الثانية للسياسة المالية (الضرائب) ساهم في ازمة مستمرة تعاني منها المالية العامة تجلى في العجز المتصاعد للموازنة سنة بعد سنة، ولمواجهة ذلك لجأت الحكومات خلال هذه الفترة الى الاستخدام الخاطئ للمديونية الاداة الثالثة للمالية العامة من حيث استخدامها في معالجة هذا العجز

و مواجهة النفقات الجارية المتصاعدة، بدلاً من استخدام المديونية لدعم النفقات الرأسمالية تعزيزاً للبنية التحتية في النقل، الصحة والتعليم، هذه الازمة الهيكلية في المالية العامة عكست نفسها على الاقتصاد الجزئي صناعة، زراعة وخدمات، حيث وضعت الاقتصاد الاردني في مصاف الدول غير المنافسة وفق منظمة التجارة العالمية مما ادى الى عجز مزمن في الميزان التجاري وارتفاع متزايد في البطالة ومتلازمتها الفقر انعكاساً لانكماش اقتصادي خفض من حصته الصناعة والزراعة من الناتج المحلي الاجمالي التي لم تتجاوز (31%) منه واللذان يشكلان مقبرة البطالة.

كل ذلك كان قبل الرياح العاتية التي آتت بفيروس كورونا والتي كانت مطرقة قاسية على الحكومة والمجتمع على حدٍ سواء وكشفت بشكل متسارع الخلل الكبير في البنية التحتية سواء كانت صحية او تعليمية او توعوية ذات علاقة بثقة المواطن بالدولة واجهزتها خاصة منها الصحية، انعكاساً مرة اخرى لنفقات رأسمالية متواضعة خلال السنوات الثلاثين الماضية على القطاع الصحي او التعليمي، والذي بدوره كان من اسباب هروب الاستثمارات المحلية وتراجع الاستثمارات الاجنبية سنة بعد سنة، واقتصارها على مشاريع الانشاءات او مشاريع الطاقة التي لم تساهم في انخفاض كلفة المنتج السلعي او الخدمي، التي تشكل الطاقة بعد ضريبة المبيعات العامل الثاني في ارتفاعه، حيث تشكل كلفة التمويل العامل الثالث لارتفاعه، فالاردنيون منشأةً وافراداً مدينون كالدولة بما يقارب الـ (30) الثلاثين مليار دينار وان معدل الفائدة على هذه القروض يتراوح ما بين (6-12%) خلافاً لمعدلها في الدول العشرين مثلاً، التي تتراوح معدلاتها ما بين (الصفر الى 3%). هذه العوامل (ضريبة مبيعات، طاقة، تمويل) بالاضافة الى فاتورة الضمان الاجتماعي على الرواتب اصبحت عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد، من حيث عدم قدرته على منافسة السلع المستوردة المفروضة على الاردن وفق اتفاقية التجارة الحرة او في قدرتها على منافسة السلع الاجنبية في الاسواق الخارجية التي تصل الى (140) دولة في العالم حسب غرفة صناعة عمان.

كل ذلك يتطلب معالجة جذرية لملف الضريبة من حيث تخفيض ما امكن من الضرائب غير المباشر على مدخلات الانتاج الصناعي والزراعي، وعلى السلع المنتجة ذات المساس الواسع بابناء الطبقة المتوسطة والفقيرة، الى جانب تصنيف السلع (شعبية، رفاهية، فاخرة) بإعفاء الأولى ورفع معدلاتها على الثانية والثالثة بما في ذلك الخدمات بمختلف مسمياتها سواء كانت مهنية أو ذات علاقة بخدمات التأمين الصحي أو غيرها من الخدمات، مع اخضاع الدخول العالية الى ضرائب عادلة (ضرائب على الدخل)، حتى لا يحدث عجزاً في تحصيلات الخزينة من جهة ولرفع الطلب على سلع المنتجين صناعياً وزراعياً من جهة اخرى كمدخل هام لاحداث انعاش اقتصادي مترافقاً ذلك مع العودة إلى التدخل باسعار فوائد الودائع وفوائد الائتمان التي مر عليها (30) عاماً وهي معومة ومتروكة لعلاقة البنوك مع عملائهم، مع إعادة دراسة كلفة الضمان الاجتماعي على الرواتب والاجور وتأثيرها على ارتفاع كلفة السلع والخدمات على وجه العموم.

إن تفشي الوباء عالمياً فرض على الدول اقفال الحدود والدعوى في ذات الوقت للاعتماد على الذات في الانتاج كمدخل للحد من انتشار الوباء من جهة ولتشغيل القطاعات المتضررة من جهة اخرى وهذا يتطلب المعالجة الجذرية للادوات الثلاث (النفقات، الضرائب، المديونية) التي ارهقت اقتصادنا وعمقت من فجوة الدخل بين الافراد والمنشآت على حدً سواء كمدخلاً لإعادة ثقة المواطن في دولته التي بحاجة اليوم إلى فريق سياسي واقتصادي قادر على وضع خطط واقعية لهذه المعالجة التي لا سبيل الا باتباعها بعيداً عن وصفات صندوق النقد والبنك الدوليان اللذان ساهما في تكوين الطبقة السياسية التي غيبت العدالة في اكثر من ملف وساهمت في انتشار الفساد افقياً، مما ادى الى ارتفاع النفقات الجارية والمديونية، التي كانت معول تهديم للمالية العامة على وجه الخصوصة والاقتصاد الوطني بشكل عام والتي احدثت خللاً حقيقياً في منظومتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

* محاسب قانوني وباحث اقتصادي