العودة أحياناً لمقال قديم ليس عجزاً عن الظفر بفكرة جديدة ولا تباهياً بما كتبتُ في الماضي بل عندما أراه اليوم طازجاً يصلح لمقارنة الزمان بالزمان لعل في ذلك نفعاً، فمثلاً تعنّتُ الرئيس ترمب ورفضه نتائج الانتخابات التي نجح فيها منافسه جو بايدن وتشبثُه بالكرسي الرئاسي تشبث الطفل بلعبته جعلني أتذكر مقالاً قديماً كتبته في جريدة «الشعب» قبل اكثر من أربعة عقود(٢٣/١/١٩٧٧) بعنوان «التربية الديمقراطية وانتقال السلطة » أنقل منه: (منذ نجح جيمي كارتر في انتخابات الرئاسة ونحن نرى كيف تنتقل الإدارة تدريجياً من اليد القديمة إلى اليد الجديدة، وكيف يتم تحضير الفريق الجديد لاستلام السلطة أو بتعبير أدق مسؤولية إدارة الولايات المتحدة الأميركية.. ورغم مرارة الفشل التي يعانيها الرئيس الذاهب كشعور إنساني لا يمكن طمسه أو إنكاره فأنه وبروح رياضية عالية وبوعي لعظم المسؤولية وقدسية الأمانة يتبادل الاجتماعات والمشاورات الأخيرة مع الرئيس القادم لما فيه مصلحة الوطن وامنه وسلامته.. والوزراء الجدد يزورون أقرانهم الذين يودعون آخر أيامهم في الحكم ليتفاهموا على كيفية استلام زمام الأمور والاستمرار فيما لا يتغير من سياسات حكومية ثابتة وإتمام ما بدئ به من أعمال تمهيداً ربما لسياسات جديدة ومشاريع جديدة يتحملها الفريق الجديد، لا أريد بهذا الوصف أن أقارن بما يحدث عندنا حيث تتم عملية الانتقال على عجل فالوزير الذاهب لا يلتقي بالوزير القادم ولا يعود إلى وزارته إلا ليجمع أوراقه الخاصة ويتلطف أحياناً بتوديع «كبار» موظفي وزارته!

والوزير الجديد في غمرة الفرح واستقبال أفواج المهنئين ينسى أن يجتمع بسلفه ليأخذ عنه ما يفيده في مواصلة المسيرة ومتابعة البرامج هذا إذا لم يتعمد عدم اللقاء به وكأنه عدو شخصي! وكلاهما وقد قصَّرا في الواجب يكونان قد سقطا في خطأ الفهم المتوارث بأن الوزارة تشريفٌ لا تكليف وبأنها مغنمٌ وجاهٌ لا خدمةٌ عامة ومهمةٌ وطنية كبيرة تقرب من القداسة.. ورب سائل يسأل عن السبب فأجيب بان التربية الديمقراطية على مر السنين تجعل استلام السلطة وتبادل المسؤولية لا في أميركا وحدها وإنما في البلاد المتقدمة عموماً امراً طبيعياً سلساً ليس فيه ما يثير اهتمام مواطنيها لكنه بالتأكيد يثير انتباهنا وغيرتنا ويترك في حلوقنا غصةً!

وبعد.. دعونا نعترف أولاً أن الأمور عندنا لم تتغير عما وصفْتُه عام ١٩٧٧ وما زالت الغصة في حلوقنا مستمرة تؤلمنا وتؤرقنا، أما أن يتراجع التقليد الديمقراطي في بلد كالولايات المتحدة تحكمه المؤسسات وفق دستور ثابت منذ حوالي قرنين ونصف فأمر مستهجن لا يكفي تفسيره بمجرد تشبث الرئيس دونالد ترمب بالسلطة فهو ليس ساذجاً بل يعي تماماً أن نهاية رئاسته قد حُسمت وهناك من داخل حزبه من يردد أنه بخبثه يهدف إلى «صفقة العفو الخاص» الشامل لكل أخطائه اثناء ولايته وهي كثيرة وكبيرة! أما المفكرون الأميركيون الجادون (والمفكرات بالطبع) فيتجاوزون سلوك ترمب ويتحدثون عن مستقبل مختلف تماماً إذا تواصل الضغط الشعبي على جو بايدن الذي وصل إلى الرئاسة.. بفضل تبنيها والوعد بتحقيقها.